وسيط العائلة الدائم

وسيط العائلة الدائم
في كثير من العائلات يوجد شخص يعرف أخبار الجميع، ويتلقى الشكاوى من كل طرف، ويُستدعى كلما وقع خلاف. تتصل به الأم لتقول إن الابن لم يسأل عنها، ويكتب إليه الابن طالبًا أن يشرح لها سبب انشغاله. يشكو أحد الأخوين من الآخر، فيحمل الوسيط الكلام بينهما ويعيد صياغته كي يمنع الانفجار. وقد يبدو هذا الدور علامة محبة وثقة، لكنه حين يتحول إلى وظيفة دائمة يجعل صاحبه يعيش داخل توترات لا تخصه، ويمنع أفراد الأسرة من تعلم الحديث المباشر وتحمل مسؤولية علاقاتهم. وسيط العائلة ليس بالضرورة الأكبر سنًا أو الأكثر حكمة. قد يكون الابنة التي تجيد تهدئة أمها، أو الابن الذي يخاف الخصام، أو الشخص الذي تعلم منذ طفولته أن سلام البيت يعتمد على حسن تصرفه. يبدأ الأمر غالبًا بطلب صغير: «قل لأخيك إنني لم أقصد»، ثم تتكرر الطلبات حتى يصبح مرور أي رسالة عبره أمرًا طبيعيًا. ومع الوقت لا يعود ناقلًا للكلام فقط؛ يصير مترجمًا للنوايا، ومدافعًا عن الغائب، ومطفئًا للغضب، وأحيانًا متهمًا من الطرفين إذا لم تنتهِ المشكلة. المشكلة ليست في المساعدة العرضية. من الطبيعي أن يتدخل شخص قريب عندما يعجز طرفان عن بدء الحديث أو حين تكون الأزمة شديدة. الخطر يظهر عندما يصبح التدخل هو الطريق الوحيد للتواصل. عندها يتعلم أفراد الأسرة أن بإمكانهم تجنب المواجهة وإرسال مشاعرهم مع شخص ثالث. يقول الأب لابنته: «أخبري أخاك أنني غاضب»، بدل أن يتصل به. ويطلب الأخ من أخته أن تقنع والدته بقرار يخصه، بدل أن يشرح قراره بنفسه. وهكذا يبدو البيت هادئًا ظاهريًا، بينما تبقى العلاقات الأصلية ضعيفة، لا تحتمل حوارًا مباشرًا. يدفع الوسيط ثمنًا لا يراه الآخرون. فهو يسمع نسخًا متعارضة من القصة، ويُطلب منه الاحتفاظ بأسرار يصعب فصلها عن حياته اليومية. قد يجلس مع شخصين يتحدثان طبيعيًا، بينما يحمل في داخله غضب كل منهما على الآخر. وقد يشعر بالذنب إذا رفض التدخل، لأن العائلة اعتادت وصفه بالعاقل أو الحنون. هذه الصفات الجميلة تتحول إلى قيد حين يصبح معناها: أنت مسؤول عن راحة الجميع، حتى لو خسرت راحتك. كما أن الوسيط معرض لأن يفقد حقه في امتلاك موقفه الخاص. إذا وافق أحد الطرفين اتهمه الآخر بالانحياز، وإذا حاول الحياد قيل إنه بارد، وإذا تعب وانسحب عُدّ مقصرًا. وفي بعض الأحيان يُستخدم قربه لتجنب الاعتذار الحقيقي؛ يرسل المخطئ معه هدية أو جملة مبهمة، ثم يتصرف كأن المصالحة تمت. لكن الاعتذار الذي لا يصل بصوت صاحبه يخفف توتر المرسل أكثر مما يصلح أذى المتلقي. أول خطوة للخروج من هذا الدور هي التمييز بين الدعم والنيابة. الدعم يعني أن تساعد الشخص على ترتيب أفكاره، أو تشجعه على إجراء مكالمة، أو تكون حاضرًا في جلسة صعبة إذا وافق الجميع. أما النيابة فتعني أن تتكلم بدلًا منه، وتنقل غضبه، وتتحمل رد الفعل عنه. السؤال البسيط الذي يكشف الفرق هو: هل تدخلي سيقرب الطرفين من التواصل المباشر، أم سيجعلهما أكثر اعتمادًا عليّ في المرة المقبلة؟ يمكن للوسيط أن يضع حدًا واضحًا من دون قسوة. بدل قول «لا تدخلوني في مشاكلكم»، وهو تعبير قد يزيد الدفاع والغضب، يستطيع أن يقول: «أفهم أنك متضايق، وسأسمعك، لكن الأفضل أن تقول هذا الكلام له مباشرة». وإذا طُلب منه نقل رسالة، يمكنه الرد: «أساعدك في صياغتها، لكنني لن أنقلها عنك». بهذه الطريقة لا يهجر الشخص القريب، بل يعيد المسؤولية إلى صاحبها. من المفيد أيضًا منع الرسائل السرية التي تغير طبيعة الجلسات العائلية. إذا قال أحدهم: «سأخبرك بشيء، لكن لا تقل إنني قلت»، فمن حق المستمع أن يسأل قبل سماع التفاصيل: «هل سيُطلب مني التصرف بناءً على هذا السر؟» إذا كان الجواب نعم، فالأفضل رفض الدخول في الدائرة. ليس كل ما يستطيع الإنسان سماعه ينبغي أن يسمعه. بعض الأسرار لا تمنحه معرفة، بل تمنحه عبئًا بلا صلاحية للحل. أما إذا كان الخلاف يتضمن عنفًا أو تهديدًا أو استغلالًا ماليًا أو خوفًا حقيقيًا، فالمسألة لا تُعالج بمجرد دعوة الطرفين إلى الكلام. هنا قد يكون التواصل المباشر غير آمن، ويحتاج الشخص إلى دعم موثوق أو جهة مختصة أو خطة تحميه. الحدود الصحية لا تعني دفع الضعيف إلى مواجهة مؤذية، بل تعني اختيار مساعدة تناسب حجم الخطر بدل ترك فرد من الأسرة يحمل الأزمة وحده. على أفراد العائلة الآخرين أن يلاحظوا بدورهم اعتمادهم على الوسيط. قبل الاتصال به، يمكن لكل شخص أن يسأل نفسه: لماذا لا أقول هذا الكلام لصاحبه؟ هل أخاف رده، أم أخاف تحمل مسؤوليتي عن طريقة الكلام؟ ويمكن البدء برسالة قصيرة لا تحمل اتهامًا: «أريد أن نتحدث عن شيء أزعجني، متى يناسبك؟» ثم وصف الموقف المحدد بدل جمع أخطاء السنوات كلها. التواصل المباشر لا يضمن الاتفاق، لكنه يمنع تراكم النسخ المحرفة من الكلام. وقد تقاوم الأسرة تغير الوسيط، لا لأنها تكرهه، بل لأن النظام القديم كان مريحًا لها. سيقال له إنه تغير، أو أصبح أنانيًا، أو لم يعد يهتم. عليه أن يتوقع هذا الانزعاج وألا يفسره دليلًا على خطأ حدوده. عندما يتوقف شخص عن أداء وظيفة مجانية اعتادها الجميع، يبدو التوازن الجديد فوضى في البداية. الثبات الهادئ أهم من الشرح الطويل: الاستماع ممكن، والنصيحة ممكنة، أما حمل الرسائل وإدارة العلاقات نيابة عن أصحابها فليس واجبًا. من المهم كذلك أن يستعيد الوسيط حياته خارج أزمات البيت. قد يكتشف أنه لا يعرف ماذا يريد لأن انتباهه ظل موجهًا إلى احتياجات الآخرين. تخصيص وقت لا يكون فيه متاحًا للمكالمات العائلية، والحديث مع صديق لا يراه مصلحًا دائمًا، وطلب المساندة حين يحتاجها؛ كلها خطوات تعيد إليه مكانه كفرد لا كخدمة طوارئ. فهو يستحق علاقات يسأل فيها الآخرون عن حاله قبل أن يضعوا مشكلاتهم بين يديه. العائلة المتماسكة ليست التي تمنع كل خلاف، بل التي يستطيع أفرادها إدارة الخلاف من دون التضحية بشخص واحد ليحمل توتر الجميع. قد يظل في البيت إنسان أكثر هدوءًا وحكمة، وقد يستعين به الآخرون أحيانًا، لكن محبته لا ينبغي أن تتحول إلى ممر إجباري تعبر منه كل الكلمات الصعبة. أفضل ما يقدمه الوسيط لعائلته ليس أن يواصل إنقاذ كل علاقة، بل أن يساعد أصحاب العلاقات على استعادة أصواتهم، ثم يتراجع إلى مكانه الطبيعي بينهم: قريبًا يحبهم، لا جسرًا يدوس عليه الجميع كي يصل بعضهم إلى بعض.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*