البيت يعرف قياسك

البيت يعرف قياسك
في التقرير الرسمي كتبتُ أن المنزل رقم سبعة عشر تعرّض لهبوط تفاضلي سببه تسرّب قديم تحت الأساسات. لم أذكر أن الممر ضاق أربعة سنتيمترات خلال ليلتين، ولا أن الجدران أعادت الأثاث إلى مواضعه بعد أن نقلناه، ولا أنني سمعتُ اسمي يصدر من داخل طبقة الإسمنت. أعرف كيف تبدو هذه الجمل خارج ذلك البيت. كنتُ مهندسة مسح إنشائي، أعمل بالأرقام لأن الأرقام لا ترتجف ولا تتوسل. وحتى تلك الليلة، كنتُ أؤمن أن كل شقّ له حمل زائد، وكل ميل له تربة رخوة، وكل بيت يبتلع ساكنيه مجازٌ سيئ لا أكثر. بدأ الأمر في آخر أسبوع من آب، حين أرسلتني بلدية الغدير إلى حيّ القناطر القديم. كانت عشرات المنازل هناك مهددة بالإخلاء بسبب مشروع نفق جديد، ومهمتي أن أثبت حالة كل مبنى قبل بدء الحفر، حتى لا تنسب الشقوق القديمة إلى المقاول لاحقًا. رافقني فهيم، مصوّر فني في الخامسة والخمسين، قليل الكلام، يحمل كاميرته كما يحمل الطبيب سماعته. وصلنا إلى المنزل السابع عشر بعد الظهر. واجهته ضيقة بلون التراب، ونوافذه مسدودة بألواح خشبية، وعلى بابه ختم بلدي باهت يعود إلى سبع سنوات. في السجل كُتب أنه خالٍ منذ اختفاء عائلة آل غيثان، وأن الشرطة لم تجد أثرًا لاقتحام أو سفر أو جريمة. قطع فهيم الشريط القديم بالمقص، فاعترضتُ. قال إن المفتاح الذي أعطتنا إياه البلدية لا يفيد مع باب مختوم. كان محقًا، لكن منظر الشريط وهو يسقط عند قدميه جعلني أشعر أننا لم نفتح مكانًا مهجورًا، بل أزلنا ضمادة عن فم. دفع الباب، فهبّت رائحة لا تشبه العفن. كانت دافئة وحلوة قليلًا، مثل عجين تُرك ليتخمّر. توقعنا الغبار، غير أن أرض المدخل بدت ممسوحة، وعلى الطاولة قرب الباب ثلاثة أزواج من المفاتيح مصطفة بحسب الحجم. أضاء فهيم مصباحه وقال ساخرًا: «البيوت المهجورة أكثر ترتيبًا من بيوتنا». لم أضحك. بدأنا من الواجهة، وقستُ طول الصالة وعرضها وارتفاعها بجهاز الليزر. كانت الجدران مستقيمة على نحو نادر في مبنى عمره ثمانون عامًا. سجّلت الأبعاد: خمسة أمتار وثمانية عشر سنتيمترًا طولًا، ثلاثة أمتار واثنان وتسعون عرضًا. في الممر المؤدي إلى الغرف، توقف شعاع الليزر عند ثلاثة أمتار وستة وثلاثين. التقط فهيم صورًا متتابعة، ووضعنا علامات ورقية صغيرة عند الزوايا. كان المنزل مؤثثًا بالكامل: مائدة لأربعة أشخاص، خزانة أحذية فيها مقاسات مختلفة، ساعة حائط متوقفة عند الثانية واثنتي عشرة دقيقة. حتى الصحون بقيت في المجلى، لكنها كانت نظيفة وجافة، كأن أحدًا غسلها ثم غادر قبل أن يعيدها إلى الرف. في غرفة النوم وجدنا سريرًا كبيرًا وسرير طفل ملاصقًا للجدار. سألتُ كيف تعيش عائلة كاملة في غرفتين، فقال فهيم إن السجل يذكر أبًا وأمًا وابنتين. فتحتُ الخزانة لأرى إن كانت تخفي شقًا، فوجدت الملابس معلقة. لم تكن ممزقة أو مأكولة بالرطوبة. مررت أصابعي على كمّ فستان، فارتفع منه غبار ناعم بلون الجلد. خلف الخزانة ظهر خط أفقي طويل، ليس شقًا بل أثر احتكاك، كما لو أن الأثاث دُفع مرارًا نحو وسط الغرفة ثم عاد إلى الجدار. قست المسافة بين السرير والباب، وثبّتُ علامة معدنية صغيرة في الأرض. عند خروجنا، لاحظ فهيم أن الساعة تحركت دقيقة واحدة. قلت إن اهتزاز الباب حرّك آليتها، مع أن عقرب الثواني ظل ساكنًا. في صباح اليوم التالي عدنا لإكمال تصوير السطح. كانت العلامة المعدنية التي وضعتها قرب السرير غائبة. ظننت أن عاملًا دخل بعدنا، لكن الختم الجديد على الباب بقي سليمًا. فتحت الجهاز وقست الغرفة. صارت المسافة بين السرير والباب أقل بسنتيمترين. أعدت القياس من ثلاث نقاط، ثم فحصت معايرة الليزر على قضيب معلوم الطول. الجهاز صحيح. أما الممر فصار ثلاثة أمتار وأربعة وثلاثين سنتيمترًا بدل ستة وثلاثين. قال فهيم إنني ربما أخطأت في تدوين الرقم. أريته الصورة التي التقطها لشاشة الجهاز في اليوم السابق. ظل يقارن الرقمين، ثم سألني إن كان الهبوط يستطيع ضغط البيت من الداخل من دون أن يغيّر واجهته. خرجنا وقسنا الجدران الخارجية. لم يتغير شيء. عرض الواجهة، المسافة بين النوافذ، طول الجدار الجانبي؛ كلها مطابقة للخرائط. عدنا إلى الداخل، فوجدنا الصالة أضيق بسنتيمترين أيضًا. لم يكن النقص في جدار محدد، بل موزعًا كأن الفراغ نفسه انكمش. وضعت كرات زجاجية عند الأرض، فلم تتدحرج. استخدمت ميزان الميل، فلم يظهر انحراف. اقترحتُ أن نثبت ثلاث كاميرات زمنية ونراقب الليل. وافق فهيم، لكنه رفض أن يبيت في المكان. قالها مازحًا، إلا أن يده ارتجفت وهو يركب البطاريات. في تلك الليلة راقبت البث من شقتي. حتى منتصف الليل لم يحدث شيء. عند الثانية واثنتي عشرة دقيقة تجمدت الصورة في الكاميرات الثلاث، بينما استمرت مؤشرات الوقت في التقدم. لم يكن انقطاعًا؛ كنت أرى الصالة والممر وغرفة النوم، لكن الغبار المعلق في شعاع الأشعة تحت الحمراء بقي ثابتًا في الهواء. استمر السكون ثماني دقائق. ثم تحركت الصور دفعة واحدة. سقطت قطعة طلاء من السقف، وانغلقت أبواب الغرف، وانطفأت الكاميرا الموجودة في الممر. قرب الثالثة، ظهر على البث شيء لم أستطع تفسيره: العلامات الورقية التي ثبتناها عند الزوايا انزلقت ببطء فوق الجدران نحو بعضها، من دون أن تتجعد أو تسقط، كأن سطح الجدار يتحرك تحتها. اتصلت بفهيم. لم يجب أول مرة، ثم رد بصوت نائم. طلبت منه فتح الرابط، فسمعته ينهض ويصطدم بشيء. حين شاهد البث، لم يقل إن هناك خللًا. قال: «لا تدخلي قبل أن أصل». بقيت أنظر إلى الممر المظلم. عند الرابعة إلا ربعًا عاد بث الكاميرا المطفأة وحده، وكانت العدسة تواجه الحائط بدل الصالة. على الطلاء، على بعد أقل من شبر، ظهرت خمسة خطوط رأسية محفورة. لم تكن موجودة عندما ثبتنا الجهاز. انضم إليها خط سادس ببطء، من أعلى إلى أسفل. لم أرَ أداة تصنعه. سمعت فقط احتكاكًا خافتًا عبر الميكروفون، ثم صوت طفلة تقول: «لم يعد يتسع». أغلقت الحاسوب، لكن الصوت استمر من سماعاته بعد أن اسودت الشاشة. فصلت الكهرباء، فصدر الهمس من هاتفي. أخرجت البطارية عبثًا؛ هاتفي لم تكن بطاريته قابلة للإزالة. رميت الجهاز على الأريكة، وانقطع الصوت. لم أنم. مع طلوع الشمس وجدت تحت ظفر سبابتي غبارًا بلون الجلد، مثل الغبار الذي ارتفع من الفستان. غسلت يدي حتى احمرّت. حاولت إقناع نفسي بأنني حملته معي من العمل، غير أنني كنت قد استحممت مرتين منذ عودتي. وصل فهيم إلى المنزل قبلي ومعه رجل قصير اسمه رماح، موظف قديم في قسم الأملاك. غضبت لأننا لم نبلغ مديرنا، فقال إن رماح هو من أغلق ملف المنزل قبل سبع سنوات. عند سماع الاسم، تغير وجه الرجل. رفض الدخول وبقي على الرصيف. قال إن أفراد العائلة لم يختفوا في ليلة واحدة كما نُشر؛ الأم أبلغت أولًا عن ضيق الغرف، ثم اختفت ابنتها الصغرى. بعد ثلاثة أيام اختفت الكبرى، وبعد أسبوع لم يجب الأبوان. فتشت الشرطة البيت ولم تجد دمًا أو منفذًا سريًا. لكن شرطيًا شابًا قاس مساحة الداخل ولاحظ أنها أقل من المخطط بسبعة أمتار مربعة. أعاد رئيسه القياس، ثم كتب في المحضر أن المخطط غير دقيق. سألت رماح لماذا خُتم البيت بدل هدمه. نظر إلى النوافذ المسدودة وقال إن ثلاث فرق حاولت الهدم. تعطلت الآلات في المحاولة الأولى، وانشق ذراع الحفار في الثانية. في الثالثة دخل عاملان لإزالة الأبواب قبل وصول الجرافة. خرج واحد منهما بعد دقائق وهو يصرخ أن زميله عالق بين جدارين. لم يجدوا الزميل ولا أثرًا لانهيار. أُلغي الهدم، وغيّرت البلدية التصنيف إلى «نزاع ملكية». ثم أضاف رماح أن البيت لم يكن دائمًا رقم سبعة عشر. كانت قطعة الأرض تحمل رقم تسعة، لكن أرقام الشارع تغيرت بعد حريق قديم. سألته عن الحريق، فأنكر معرفته ثم غادر من دون أن يلتفت. دخلنا رغم تحذيره. كان الممر أضيق من أن يمر فيه شخصان متجاوران. الكاميرا التي التفت عدستها نحو الجدار بقيت مثبتة في مكانها، لكن الحائط خلفها تقدم نصف متر. نزعتها، فوجدت على الطلاء ستة خطوط محفورة وتحتها أسماء مكتوبة بقلم رصاص: سَلْمى، رغد، نبيه، إيناس، جواد، ثم اسم فهيم. تراجع فهيم حتى اصطدم بالباب. مسح اسمه بكمه، فظهر تحته مرة أخرى، أغمق من قبل. قال إن أحدًا يعبث بنا. سألته من يعرف اسمه ودخولنا إلى البيت. لم يجب. حاول الخروج، لكن باب المدخل لم يعد في نهاية الممر حيث تركناه؛ كان هناك جدار بلون جديد تفوح منه رائحة العجين. تبعنا الضوء القادم من الصالة فوجدنا الباب على جدار آخر. لم يكن منتقلًا بمعنى الكلمة؛ ترتيب البيت كله تغير. الصالة صارت خلف غرفة النوم، والمطبخ فتح على الممر من جهتين. فتح فهيم الباب الخارجي فظهر أمامنا فناء داخلي لم نره من قبل، مربع ضيق بلا سماء. جدرانه ترتفع إلى ظلام لا نهاية له، وفي وسطه كرسي طفل أخضر. كان الغبار على المقعد خاليًا من طبقة واحدة مستديرة، كأن طفلًا نهض عنه قبل لحظة. أغلقت الباب فورًا. عندما فتحناه ثانيةً ظهر الشارع الطبيعي، وسيارة فهيم عند الرصيف. خرجنا ووقفنا في الشمس نلتقط الهواء كما لو خرجنا من ماء عميق. طلب فهيم أن نسلم تقريرًا مختصرًا وننسحب. كان اسمه على الجدار قد كسر سخريته كلها. وافقت ظاهريًا، لكنني أخذت نسخة من ملفات الأرض من رماح قبل عودتي إلى المكتب. في سجل قديم يعود إلى سنة 1941 وجدت أن القطعة كانت تضم منزلًا أوسع بكثير، تسكنه أرملة اسمها وردة الموصلي مع سبعة أطفال أيتام كانت ترعاهم لقاء إعانة. اندلع حريق في الشتاء، ونجت المرأة وحدها. قالت إنها أيقظت الأطفال وأخرجتهم، لكن رجال الإطفاء لم يجدوا جثثًا في الخارج ولا الداخل. بقيت سبعة أسرّة متفحمة، وظهرت على جدار المطبخ أسماء الأطفال مكتوبة تحت خطوط رأسية. بعد الحريق أعيد البناء، وصغر مخطط المنزل سبعة أمتار مربعة عن القطعة الأصلية. تتبعت الملكية. كل عائلة سكنت البيت بعد ذلك أبلغت عن ضيق تدريجي، ثم غادر بعضها قبل وقوع شيء. ثلاث عائلات لم تغادر كاملة. في محضر من عام 1968 قالت امرأة إن ابنها دخل الخزانة ولم يجد خلف الملابس جدارًا، بل غرفة فيها أطفال واقفون ووجوههم إلى الحائط. سحبته من ذراعه، لكنه عاد في الليلة التالية واختفى. وفي عام 1993 اشتكى مستأجر من أن بيته «يأكل عرضه كل مساء ويعيده صباحًا». أُدخل الرجل مستشفى للأمراض النفسية، ثم انتحر بعد شهر، تاركًا جملة واحدة: «ليس البيت هو الذي يصغر؛ المكان الآخر هو الذي يكبر». أرسلت الصور إلى فهيم. اتصل بي فورًا وقال إنه لن يعود مهما كتبت في التقرير. في خلفية المكالمة سمعت طرقًا منتظمًا. سألته عنه، فقال إن جارًا يصلح خزانة. كان الطرق ست ضربات، يتوقف، ثم يعاد. ذكرته بالخطوط الستة. غضب واتهمني بأنني أزرع الخوف في رأسه، ثم أغلق الهاتف. بعد ساعة وصلتني منه صورة لم يكتب معها شيئًا. كانت لغرفة نومه. بين الخزانة والجدار ظهر شريط من طلاء ترابي لا يطابق شقته، وعليه اسمه بقلم رصاص. اتصلت مرات بلا جواب. ذهبت إلى عنوانه مع الشرطة. وجدنا الباب مقفلًا من الداخل والكاميرا على الطاولة. لم يكن فهيم في الشقة. خزانته ملتصقة بالحائط، لكن خلفها وجدنا فراغًا ضيقًا بعرض كف. قال الشرطي إن رجلًا لا يستطيع المرور منه. مددت يدي، فلامست هواءً دافئًا يأتي من عمق لا يناسب سمك الجدار. أخرجت الهاتف وصورت داخل الشق. ظهرت في الشاشة غرفة المنزل رقم سبعة عشر، وفي طرفها وقف فهيم وظهره إلينا. ناديته، فالتفت نحو مصدر الصوت، لكنه نظر إلى أعلى لا إلى العدسة. كان فمه يتحرك. حين قربت الهاتف من أذني سمعت: «لا تقيسيها. كلما قستِها، عرفتْ كم ينقصها». تراجع الشرطي حين سمع الصوت، ثم أمر بإخلاء الشقة. في اللحظة نفسها انطبقت الخزانة على الجدار واختفى الفراغ. لم يصدق الضابط أن الصورة بث حي؛ قال إنها تسجيل محفوظ على هاتفي. بحث عن وقت إنشائها فوجده مطابقًا للحظة التصوير. أرسل فريقًا إلى البيت السابع عشر، لكنهم وجدوا الختم سليمًا ولم يدخلوا حتى حضرت. أدركت آنذاك أن المنزل لم يحتج إلى باب كي يصل إلى فهيم. كان القياس قد ربط غرفته بغرفه، كما يربط الخيط إبرة بقطعة قماش. رفضت الدخول من دون خطة. أحضرت مخطط 1941 ومخطط البناء الحالي، ووضعت أحدهما فوق الآخر. المساحة المفقودة ترسم مستطيلًا طويلًا في منتصف المنزل، عرضه متران تقريبًا وطوله ثلاثة أمتار ونصف. لم يظهر له باب في أي نسخة. إذا كانت المساحات المسروقة تتجمع في ذلك المستطيل، فقد يكون الغائبون داخله. استعنت بكاميرا حرارية من قسم الإطفاء. من الخارج كانت الجدران بدرجة حرارة الجو، إلا بقعة واحدة قرب المطبخ ظهرت دافئة بسبع وثلاثين درجة، حرارة جسد حي. لم أعرف إن كان ذلك يطمئنني أم يخيفني أكثر. قبل الدخول سألني قائد الفريق لماذا أصرّ على إنقاذ رجل قد يكون مات أصلًا. لم أخبره أن فهيم أنقذني قبل سنوات من خطأ مهني كاد ينهي عملي. كنت يومها حديثة التعيين، وقد قرأت انحرافًا في جسر على أنه خلل في الجهاز. وحده فهيم صوّر العلامة من زاوية كشفت الشق الحقيقي، ثم نسب الانتباه إليّ أمام اللجنة. قال لي بعدها إن الصورة الجيدة لا تثبت ما يريد المصور، بل ما كان موجودًا حين خاف الآخرون من النظر. منذ اختفائه ظلّت جملته تؤلمني. إذا كان حيًا خلف الجدار، فلن أسمح لخوفي أن يحوّله في تقريري إلى احتمال مريح. دخلتُ مع ضابط الإطفاء سادن، بينما بقي الفريق عند الباب مربوطًا بنا بحبلين منفصلين. رفضت تشغيل جهاز الليزر. حملت شريط قياس ورقيًا لاستخدامه مرة واحدة، ومطرقة صغيرة، والمخطط القديم. كان البيت ساكنًا، لكنني شعرت بأن الأرض ترتفع تحت قدمي ثم تهبط، ببطء يشبه التنفس. وجدنا المطبخ أصغر من اليوم السابق، وخزانته الأخيرة مضغوطة حتى انثنت أبوابها. خلفها كانت البقعة الدافئة. طرق سادن الحائط فصدر صوت مكتوم، لا صوت فراغ. طرقتُ ثلاث مرات، فجاء الرد من الداخل: ست ضربات. كسَر سادن الطلاء، فسال من الشق غبار ناعم ورطب بلون الجلد. تحت الطبقة لم نجد طوبًا، بل ألواحًا خشبية قديمة متراصة. نزعنا لوحًا، وانفتح أمامنا ممر لا يزيد عرضه على أربعين سنتيمترًا. كان أطول من المنزل نفسه. على جانبيه ورق جدران من عصور مختلفة: زهور محترقة من الأربعينيات، خطوط خضراء من الستينيات، مربعات بنية من التسعينيات، ثم طلاء آل غيثان. كل طبقة لم تستبدل سابقتها؛ كانت ملتصقة بها كصفحات كتاب سميك. ومن خلف الورق جاءت همسات كثيرة، كل صوت يسأل عن غرفة أو باب أو شخص. زحفنا داخل الممر. بعد أمتار لم أعد أرى ضوء المطبخ خلفنا، مع أن الحبل بقي مرتخيًا. وصلنا إلى باب طفل أخضر، يطابق لون الكرسي في الفناء. فتحه سادن فوجدنا غرفة مربعة أكبر من مساحة البيت الخارجية. وقف فيها أشخاص كثيرون ووجوههم نحو الجدران. ملابسهم تنتمي إلى أزمنة مختلفة، وأجساد بعضهم نحيلة شبه شفافة. رأيت فهيم بينهم بقميصه الرمادي. كان يضغط كفيه على الحائط، وكأن شيئًا من الجهة الأخرى يسحبه عبر الطلاء. ناديته، فالتفت ببطء. قال إن الجدران لا تأكل الناس؛ إنها تستخدمهم لتبني مساحة جديدة. كل شخص يصبح سمكًا في الحائط، وكل اسم خطًا في القياس. تحرك الأطفال السبعة معًا. لم يلتفتوا، لكن أصواتهم خرجت من جهات الغرفة كلها. قالوا إن وردة لم تُخرجهم من الحريق. حين اشتعل السقف، أدخلتهم الغرفة الداخلية ووعدتهم بالعودة، ثم هربت وأغلقت الباب كي لا يعرف الناس أنها تركتهم وحدهم. النار لم تصل إليهم؛ الدخان فعل. قبل موتهم ظلوا يدفعون الجدران طلبًا للهواء. بقي خوفهم في الغرفة، يكرر الحركة نفسها: الجدران تقترب، والأطفال يصنعون مكانًا جديدًا خلفها كي ينجوا. لكن المكان لا يبقى فارغًا؛ يحتاج إلى أجساد تتذكر الاختناق. صرخ سادن أن نعود. جذب فهيم من كتفه، فانسل نصف جسده من الحائط بسهولة مخيفة، كأنه كان غارقًا في طين. حين تحررت ساقاه، ارتجت الغرفة. انفتح ورق الجدران على أفواه داكنة، وبدأت المساحة تنكمش. ركضنا نحو الباب الأخضر، لكن الممر وراءه صار أضيق. عبر سادن أولًا وهو يسحب فهيم، وتبعتُهما جانبيةً. علقت حقيبتي فتركتها. ثم أمسك شيء بمعصمي من داخل الورق. لم أرَ يدًا، بل أحسست بأصابع صغيرة كثيرة تضغط فوق جلدي. قالت طفلة قرب أذني: «إذا أخذتم واحدًا، اتركي لنا قياسكِ». كان شريط القياس الورقي في جيبي. سحبته بيدي الحرة، ومزقته إلى قطع رميتها خلفي. لا أعرف لماذا فعلت ذلك؛ ربما لأن فهيم قال إن القياس هو الرابط. اندفعت الأرقام المطبوعة فوق الورق نحو الجدران كحشرات سوداء، وانشغلت الأصابع بالتقاطها. حررت معصمي وزحفت. عند فتحة المطبخ كان الحبلان مشدودين، ورجال الإطفاء يسحبوننا. خرج فهيم وسادن، ثم شعرت بالجدار يطبق على كتفيّ. دفعني سادن من الخارج، فانزلقت إلى المطبخ في اللحظة التي انغلقت فيها الألواح خلف كعبي. عاد الطلاء كاملًا، بلا شق ولا أثر للمطرقة. في الخارج انهار فهيم فاقدًا الوعي. كان حيًا، لكنه ظن أنه قضى داخل الغرفة ثلاثة أيام، بينما لم يمر على دخولنا سوى أربع وعشرين دقيقة. ظهرت على ظهره خطوط حمراء متوازية، كل خط بطول جدار من المنزل. أما معصمي فحمل سبع بصمات صغيرة لم تختفِ لأسابيع. أمرت البلدية بإحاطة العقار بسياج وحراسته، ثم بدأت إجراءات ردمه بالخرسانة بدل هدمه. لم أخبرهم أن الخرسانة لن تفيد. المساحة التي دخلناها لم تكن داخل البيت بالمعنى الهندسي، بل كانت مبنية من خوف حمله كل من قاسها أو نام قربها. في المستشفى طلب الطبيب من فهيم أن يرسم الغرفة التي احتُجز فيها. رسم مربعًا، ثم مربعًا داخله، وواصل حتى اسودّت الصفحة. في قلب السواد ترك نقطة بيضاء صغيرة وقال إنها الباب الذي رأى من خلاله شقتي قبل أن أصل إليه. سألته كيف عرف أنها شقتي، فوصف الأريكة والستارة وندبة الرطوبة فوق نافذتي، وهي تفاصيل لم يرها قط. ثم أضاف أن الغرفة كانت تفتح نوافذ على بيوت كل من قاس المنزل، وأن بعض النوافذ ظلت مظلمة لأن أصحابها ماتوا، أما نافذتي فكانت تكبر. مزقت الرسم بعد أن نام، لكنني وجدته صباحًا مطبوعًا على الصفحة التالية بضغط القلم. قدمت استقالتي، وتوقفت عن العمل في المسح. انتقل فهيم إلى مدينة ساحلية، ورفض لمس كاميرا منذ ذلك اليوم. اتصل بي مرة واحدة وقال إن غرفته الجديدة ثابتة، وإنه يقيسها بعينيه كل صباح من دون جهاز. طلبت منه ألا يفعل، فأغلق الستائر وغيّر الموضوع. حاولت أنا أيضًا ألا أقيس شيئًا. نزعت المسطرة من مكتبي، وأخفيت تطبيق القياس في هاتفي، وصرت أتجنب عدّ البلاطات والخطوات. كنت أعرف أن الخوف يجد في العادات الصغيرة أبوابًا أوسع من الخشب. مرّ شهران بهدوء. ثم استيقظت ليلةً عند الثانية واثنتي عشرة دقيقة لأن سريري كان يلامس الحائط، مع أنني تركت بينهما فراغًا يكفي لطاولة. أشعلت المصباح. بدت الغرفة طبيعية، لكن بابها صار أقرب مما أتذكر. قاومت الرغبة في استخدام الشريط. وقفت في منتصف المكان ومددت ذراعيّ، فلامست أطراف أصابعي الجدارين معًا. لم أكن أستطيع ذلك من قبل. على الطلاء فوق الوسادة ظهرت سبعة خطوط رأسية، وتحتها اسمي كاملًا. مسحتها، فعادت. سمعت من داخل الجدار صوت فهيم يقول إنه لم يخرج كله، ثم أصوات آل غيثان، ثم أطفال وردة يطلبون مني أن أترك لهم قياسي. لم أجب. جلست قرب الباب حتى الصباح، أراقب الجدار يتقدم مقدارًا لا تراه العين، لكن يشعر به الجلد قبل أن يلمسه. أنا أكتب الآن من المطبخ، لأنه آخر غرفة ما زالت نافذتها تُفتح. وضعت الكرسي في الوسط حتى أعرف إن تحركت الجدران من دون أن أقيسها. قبل ساعة كان يبعد عن الطاولة خطوتين. الآن تلامس ركبتي حافتها وأنا جالسة في المكان نفسه. اتصلت بالبلدية، فقيل إن المنزل رقم سبعة عشر لم يعد موجودًا في السجل؛ القطعة صارت فارغة بعد صب الخرسانة. اتصلت بفهيم، فرد شخص لا أعرفه وقال إن الرقم غير مستخدم منذ سنوات. خلفي باب لم يكن في المطبخ هذا الصباح. لونه أخضر، ومقبضه منخفض كأنه صُنع لطفل. لا أحتاج إلى فتحه لأعرف ما وراءه. أسمع الكاميرا القديمة تعمل، وأسمع فهيم يناديني من غرفة أوسع من المدينة، وأشم رائحة العجين الدافئ. الجدار أمامي يقترب من حافة الطاولة، والحروف على الشاشة تصغر كلما ضاق المكان، كأن الصفحة نفسها تدخل البيت. لهذا سأكتب الجملة الأخيرة بلا أرقام، وبلا تقدير للمسافة التي بقيت. إذا وجد أحد هذا النص، فلا يذهب إلى حيّ القناطر، ولا يبحث عن القطعة الفارغة، ولا يحاول إثبات أن قصتي مستحيلة بقياس غرفته. اترك الجدار حيث تظنه، ولا تمد يدك لتتأكد. فالبيت لم يتبعني لأنني دخلته، ولا لأنني أنقذت فهيم. لقد تبعني منذ اللحظة التي منحته فيها أول رقم، وحين عرف مقدار الفراغ حول جسدي، بدأ يبني الطريق إليّ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*