اسمه خارج السجل
اكتشفت ناردين أن يَمام لا يملك اسماً في صباح اليوم الذي طُلب منها فيه حذف اسمه من المدرسة.
كانت تجلس في غرفة المرشدة الاجتماعية، تحاول إصلاح دباسة صدئة، حين دخلت المديرة تماضر تحمل ملفاً أخضر. وضعته أمامها، وأغلقت الباب، ثم جلست من دون أن تنزع نظارتها الشمسية رغم أن الغرفة لا تصلها الشمس.
قالت:
— وصلنا كتاب التدقيق الإلكتروني.
— خير؟
دفعت الملف نحوها.
— ابتداءً من الفصل المقبل، لا يُسمح ببقاء أي طالب غير مثبت في قاعدة البيانات المركزية.
فتحت ناردين الملف. كان يحتوي قائمة بأسماء أحد عشر طالباً تنقصهم وثائق مختلفة: بطاقة سكن، نسخة حديثة من البطاقة الوطنية، تأييد نقل، أو شهادة ولادة. إلى جوار عشرة أسماء كتبت ملاحظات تحدد النواقص، أما الاسم الأخير فوضعت أمامه دائرة حمراء:
يَمام سطّام.
في خانة الرقم الوطني ظهرت كلمة: «لا يوجد».
قالت ناردين:
— ملفه الورقي عندنا منذ ثلاث سنوات.
— الملف لا يحتوي على مستمسكات رسمية.
— لديه بطاقة لقاح وصورة من ورقة ولادة.
— لا تحمل الورقة رقماً، ولا ختم دائرة الأحوال. اسم الأب مكتوب بخط اليد.
— وهو يدرس هنا منذ الصف الخامس.
— كان مسجلاً بصفة مستمع وفق موافقة استثنائية. الاستثناء انتهى.
— ماذا يعني هذا عملياً؟
نزعت تماضر نظارتها.
— لا يمكنه دخول الامتحان الوزاري، ولا إصدار وثيقة دراسية له. وإذا بقي في الصف بعد الكتاب الجديد، تُحمّل المدرسة مسؤولية تسجيل شخص غير معروف الهوية.
حدقت ناردين في العبارة.
— شخص غير معروف الهوية؟ يَمام يدخل من هذه البوابة كل صباح. نعرف أمه وبيته ودرجاته وحتى الحساسية التي تصيبه من الغبار.
— نحن نعرفه، لكن الدولة لا تعرفه.
كان في الثالثة عشرة، طويل القامة بالنسبة إلى عمره، قليل الكلام، ويمتلك قدرة غريبة على حفظ ما يقرأه. لا يرفع يده كثيراً، لكنه إذا سُئل أجاب بجملة مرتبة كأنه أعدها في الليلة السابقة. يحب الجغرافيا، ويرسم خرائط المدن من الذاكرة، ويستعير أطالس المدرسة القديمة حتى في العطلات.
لم يكن أفضل الطلاب دائماً؛ يتغيب حين تعمل أمه خارج الحي، ويأتي أحياناً بلا طعام، لكنه أنهى العام الماضي بالمرتبة الثالثة.
قالت ناردين:
— سنطلب تمديد الموافقة.
— طلبنا. جاء الرفض.
— نتحدث مع المديرية.
— تحدثت.
— ومع الوزارة؟
زفرت تماضر.
— ناردين، أنا لا أريد طرده. لكننا لا نستطيع اختراع هوية له.
أغلقت الملف.
— استدعي أمه. أمامها حتى نهاية الفصل لتسوية الوضع، وإلا نبلّغها بأنه لن يستمر.
كان يَمام في حصة الرياضيات حين نادته ناردين. دخل غرفتها حاملاً دفتراً، وظل واقفاً قرب الباب.
قالت:
— اجلس.
— عندنا امتحان قصير.
— لن أطيل.
جلس على طرف الكرسي.
— أحتاج إلى رقم والدتك.
— موجود بالملف.
— تغير الرقم القديم.
أعطاها رقماً جديداً من ذاكرته.
سألته:
— هل لديك بطاقة وطنية؟
هز رأسه.
— لماذا؟
نظر إلى الدفتر.
— أمي تقول المعاملة ماشية.
— منذ متى؟
— ما أعرف.
— هل لديك شهادة ولادة أصلية؟
— الورقة عند أمي.
— ووالدك؟
بقي صامتاً.
كانت تعرف أنه متوفى، لكنها أرادت سماع ما يعرفه هو.
قال:
— مات قبل ما أولد.
— هل عائلته تساعدكم في المعاملة؟
رفع عينيه إليها، وظهر فيهما شيء أكثر حدة من الحزن.
— ما عندي عائلة من جهته.
ثم نهض.
— أرجع للامتحان؟
تركته يعود، واتصلت بوالدته.
وصلت عفراء في اليوم التالي ترتدي عباءة رمادية وتحمل كيساً من مستندات متفرقة. كانت في منتصف الثلاثين، لكن التعب أضاف إلى وجهها أعواماً أخرى. تعمل في تنظيف البيوت وإعداد الطعام للمناسبات الصغيرة، وتربي يَمام وابنة أصغر منه من زواج ثانٍ انتهى بالطلاق.
فرغت الكيس فوق المكتب.
ظهرت بطاقة لقاح، ووصفة طبية قديمة، وصور شخصية ليَمام في أعمار مختلفة، وعقد زواج كتبه رجل دين على ورقة بلا رقم تسجيل، وصورة لهوية والده المتوفى.
قالت ناردين:
— أين ورقة الولادة؟
أخرجت نصف ورقة مطوية مرات كثيرة. حملت اسم مستشفى أهلي أُغلق قبل سنوات، وتاريخ ولادة يَمام، واسم الأم كاملاً. أما خانة الأب فكتب فيها «سطّام منير» بقلم يختلف لونه عن بقية البيانات.
— من كتب اسم الأب؟
— الموظفة في المستشفى.
— هل كان سطّام موجوداً؟
— لا. كان في موقع العمل.
— وهل كان زواجكما مسجلاً في المحكمة؟
أشارت إلى عقد رجل الدين.
— تزوجنا بهذا العقد.
— أقصد عقداً رسمياً.
— كنا سنسجله بعد الولادة.
— ولماذا لم تفعلوا قبله؟
سحبت عفراء الأوراق نحوها.
— أهله كانوا رافضين.
— لأي سبب؟
— لأنني مطلقة.
كان صوتها خالياً من الخجل، لكن الجملة بدت محفوظة من كثرة ما اضطرت إلى قولها.
تزوجت عفراء في التاسعة عشرة من رجل يكبرها بخمسة عشر عاماً. استمر الزواج أقل من عامين وانتهى بعد عنف متكرر لم تسجله في محضر رسمي. عادت إلى بيت أبيها، وبقيت خمس سنوات تحمل لقب مطلقة في حي يعامل الطلاق كأنه صفة في الأخلاق لا حالة اجتماعية.
تعرفت إلى سطّام حين كان يعمل في ورشة بناء قرب بيتهم. أحبها، وتقدم إلى أسرتها، لكن والده منير رفض أن يتزوج ابنه الأكبر امرأة سبق لها الزواج. أصر سطّام، فعقدا زواجاً دينياً بحضور شاهدين، وانتقلا إلى غرفة مستأجرة على أمل تسجيل العقد بعد أن تهدأ العائلة.
لم تهدأ.
حين حملت عفراء، طلب منها سطّام أن تنتظر حتى يقنع والده. وقبل ولادة يَمام بثلاثة أسابيع، سقط من طابق مرتفع في موقع بناء وتوفي في المستشفى.
قالت:
— بعد موته ذهبت إلى أبيه. قلت له إنني حامل من ابنه، فأغلق الباب بوجهي.
— ألم يكن لديه علم بالزواج؟
— كان يعرف. جاء سطّام إليه أكثر من مرة.
— والشاهدان؟
— واحد توفي، والثاني سافر ولا أعرف مكانه.
— الرجل الذي كتب العقد؟
— توفي أيضاً.
— هل قدمتِ دعوى تثبيت زواج ونسب؟
— قدمت قبل اثني عشر عاماً.
فتحت ناردين عينيها بدهشة.
— وماذا حدث؟
— المحامي أخذ المال، ثم قال إن الدعوى رُفضت لأن عائلة سطّام أنكرت العقد. بعد ذلك لم يكن عندي مال لمحامٍ آخر.
— هل لديك نسخة من قرار المحكمة؟
— لا.
— رقم الدعوى؟
— لا أتذكر.
قلبت ناردين الأوراق. لا يوجد مستند يثبت أن الدعوى رُفعت أصلاً.
قالت عفراء:
— أدخلته المدرسة بورقة من المختار. كل سنة يقولون نحلها السنة المقبلة. هسه شصار؟
شرحت لها القرار الجديد.
تغير وجهها.
— يعني تطردونه؟
— نحاول منع ذلك، لكن المدرسة لا تستطيع إصدار وثيقة له بلا تسجيل مدني.
— هو شنو ذنبه؟
— ليس ذنبه.
— أبوه مات، وبيت أبوه ما اعترفوا بيه، وهسه حتى المدرسة ما تريده. وين أوديه؟
خفضت ناردين صوتها.
— نحتاج إلى إعادة فتح القضية بطريقة صحيحة.
ضحكت عفراء بمرارة.
— المحكمة ما تنفتح بالمفتاح. تنفتح بالفلوس.
جمعت الأوراق، لكن ناردين أوقفتها.
— أعرف جمعية تقدم مساعدة قانونية. سأحاول أخذ موعد.
— جربنا الجمعيات. يصورون الورق، يسألون أسئلة، وبعدها ما يردون.
— هذه المرة سأتابع معك.
نظرت إليها طويلاً.
— ليش؟
كان سؤالاً مباشراً. لم تكن عفراء معتادة أن يقدم أحد مساعدة بلا مصلحة أو فضول.
قالت ناردين:
— لأن المدرسة طلبت مني إخراج ابنك، وأنا لا أريد أن أكتب قراراً قبل أن أعرف إن كان يمكن منعه.
— وإذا ما كدرنا؟
لم تجبها بوعد لا تملكه.
— على الأقل نعرف لماذا، وماذا ينقصنا بالضبط.
خرجت عفراء وهي تحمل الكيس إلى صدرها. وبعد دقائق ظهر يَمام عند الباب.
— أمي بكت؟
— لا.
— عيونها كانت حمر.
— كانت غاضبة.
قال:
— من عندي؟
— من الوضع.
— يعني ما أداوم؟
— ستداوم الآن.
— وبعدها؟
أشارت إلى الكرسي.
— هل تعرف لماذا لا تملك بطاقة؟
— لأن جدي يقول أنا مو من ابنه.
قالها بلا ارتباك، كأنه يذكر حقيقة في درس.
— وهل رأيت جدك؟
— مرة. رحت لبيته وأنا صغير. كال لأمي لا تجيبيني بعد.
— ماذا قالت لك أمك عن أبيك؟
— كان بنّاء.
— فقط؟
— كان يحب الرمان، ويعرف يصلح الراديو، ويكتب بيده اليسار. أمي تقول أمشي مثله.
مد يده اليسرى فوق المكتب.
كان يحمل القلم بها.
قالت ناردين:
— هل لديك صورة معه؟
— أمي عندها صورة وهو حاط إيده على بطنها. بس جدي يقول الصورة ممكن تكون لأي واحد.
ثم سأل:
— إذا الدولة ما كاتبة اسمي، يعني أقدر أختار اسم ثاني؟
ابتسمت رغم ثقل السؤال.
— هل لا يعجبك يَمام؟
— يعجبني. بس إذا ما يقبلوه، يمكن أغيره لشي يقبلوه.
قالت:
— المشكلة ليست في اسمك.
— المشكلة بأبي؟
— المشكلة في الورق الذي لم يُنجز عندما كان يجب أن يُنجز.
فكر قليلاً.
— الورق أقوى من الناس؟
— أحياناً، إذا لم نجد ورقاً آخر يثبت الحقيقة.
خرج، وبقي السؤال في الغرفة بعده.
حصلت ناردين على موعد في جمعية للمساعدة القانونية. رافقت عفراء إلى مكتبها في وسط بغداد، حيث استقبلتهما محامية تدعى أشجان، امرأة في الأربعين ذات صوت هادئ ومكتب مزدحم بملفات الأسرة والأحوال الشخصية.
قرأت الأوراق، ثم سألت عفراء عن تفاصيل الزواج والولادة والوفاة. لم تقاطعها، ولم تظهر شفقة، وهذا جعل عفراء تتحدث بارتياح أكبر.
قالت أشجان:
— لدينا مساران. الأول تثبيت الزواج بعد وفاة الزوج، والثاني إثبات نسب الطفل. يمكن جمعهما، لكن القضية تحتاج إلى بينة.
— عندي العقد، قالت عفراء.
— العقد الديني قرينة، لكنه وحده قد لا يكفي إذا أنكر الورثة. نحتاج إلى شاهد، أو مراسلات، أو اعتراف سابق، أو فحص قرابة جيني.
— أبوه ميت.
— يمكن الفحص مع الجد أو أعمام الطفل، إذا وافقوا أو أمرت المحكمة.
قالت عفراء:
— لن يوافقوا.
— رفضهم لا ينهي القضية، لكنه يطيلها.
راجعت أشجان ورقة الولادة.
— المستشفى أُغلق، لكن سجلاته ربما نُقلت إلى دائرة الصحة. وهناك سجل وفاة الأب، وتقرير حادث العمل. إذا ذكر أحد المستندات حالته الاجتماعية أو اسمك، يفيدنا.
سألتها ناردين عن الدعوى القديمة.
بحثت أشجان بالاسم في نظام المحكمة. لم تجد قضية مسجلة باسم عفراء ضد ورثة سطّام في العام الذي ذكرته، ولا الأعوام التالية.
قالت:
— يبدو أن المحامي لم يرفع الدعوى.
أغلقت عفراء عينيها.
— أخذ ذهب أمي.
— هل لديك إيصال؟
— لا.
لم تصرخ أو تبكِ. أعادت الأوراق إلى الكيس بحركات هادئة، لكن ناردين رأت كيف تحولت خيبة قديمة إلى جرح جديد؛ اثنا عشر عاماً وهي تعتقد أن المحكمة رفضتها، بينما لم تصل قصتها إلى القاضي أصلاً.
قالت أشجان:
— سنرفعها الآن. الجمعية تتكفل بالأتعاب الأساسية.
— وكم تأخذ؟
— قد تستغرق أشهراً، وربما أكثر من سنة.
— المدرسة أعطتنا لنهاية الفصل.
— يمكننا طلب أمر مؤقت يسمح للطفل بمتابعة الدراسة إلى حين حسم النسب، لكن قبوله ليس مضموناً.
بدأ العمل.
ذهبت ناردين وعفراء إلى دائرة الصحة بحثاً عن سجلات المستشفى القديم. قيل لهما إن الأرشيف نُقل إلى مخزن خارجي بعد إغلاق المستشفى. وفي المخزن وجدتا آلاف الملفات داخل صناديق رطبة لا تحمل ترتيباً واضحاً.
طلب الموظف منهما العودة بكتاب رسمي.
أحضرت أشجان الكتاب.
في الزيارة الثانية قالوا إن الموظف المسؤول في إجازة.
في الثالثة انقطعت الكهرباء، وتعذر تشغيل قاعدة البيانات.
أما المدرسة، فكانت تستعد للامتحانات النصفية. بدأ النظام الإلكتروني يرفض إدخال درجات يَمام، فاحتفظت ناردين بها في سجل منفصل. كانت تكتب اسمه بقلم رصاص في الجداول المطبوعة، ثم تمسحه قبل إرسال النسخ الرسمية.
قالت لها تماضر:
— نحن ندخل الآن في مخالفة.
— هو في الصف، ويؤدي الامتحان. هل نرمي ورقته؟
— لا، لكننا لا نستطيع الاستمرار هكذا.
— أعطني حتى نهاية الفصل.
قالت المديرة:
— أعطيتك. لكن لا تجعلي الأمر يبدو كأنني أحارب طفلاً. أنا أحمي المدرسة.
كانت تماضر محقة في جزء من كلامها. إذا خالفت التعليمات، قد تُعاقب، وقد يتضرر طلاب آخرون. لم يكن الظلم دائماً شخصاً سيئاً؛ أحياناً يكون مجموعة أشخاص ينفذ كل واحد منهم قاعدة لا يرى ما تفعله حين تجتمع مع غيرها.
في ذلك الأسبوع، غاب يَمام ثلاثة أيام.
ذهبت ناردين إلى منزله. كان يقع في حي غير مكتمل الخدمات خلف سوق للخضار، ويتكون من غرفتين بسقف من الصفيح وساحة ضيقة. فتحت عفراء الباب وهي ترتدي مئزر العمل.
— أين يَمام؟
— مريض.
سمعت صوته من الداخل:
— مو مريض.
دخلت. كان جالساً فوق فراش، وأمامه صندوق مناديل ورقية يضعها في أكياس صغيرة.
قالت:
— لماذا لم تأتِ إلى المدرسة؟
أجاب من دون النظر إليها:
— ما يفيد.
— من قال؟
— المدرس قال اللي ما عنده رقم امتحاني ما يدخل الوزاري.
— تحدث عن الإجراءات عموماً، لا عنك.
— الطلاب عرفوا. واحد كال اسمي مستعار.
جلست قربه.
— اسمك ليس مستعاراً.
— إذا ما موجود بالحاسبة، شلون مو مستعار؟
أشار إلى الصناديق.
— أشتغل ويا أمي أحسن.
قالت عفراء:
— حاولت أوديه، رفض.
سألته ناردين:
— ماذا تريد أن تصبح؟
— ما أعرف.
— كنت تقول إنك تريد رسم الخرائط.
— الخريطة تحتاج أسماء أماكن. إذا المكان ما عنده اسم، يتركونه أبيض.
— بعض الخرائط القديمة كانت تترك الأماكن البيضاء لأنها لم تُكتشف بعد، لا لأنها غير موجودة.
رفع عينيه.
— أنا مكتشفيني. من أول ابتدائي يعرفوني.
— إذن لا تعطِ نظاماً ناقصاً حق تحديد مكانك.
— إذا رحت، يضحكون.
— سيضحك بعضهم أسبوعاً، ثم يجدون موضوعاً آخر. وإذا بقيت، تكون قد نفذت عنهم ما يريدونه.
عاد في اليوم التالي.
لم تتوقف التعليقات فوراً. كتب أحد الطلاب على السبورة: «يَمام بلا أب». مسحها مدرس اللغة من دون أن يسأل من كتبها، ثم طلب من يَمام الجلوس. وفي الاستراحة تشاجر مع صبي قال إن أمه اخترعت له أباً ميتاً كي يأخذ الميراث.
دفعه يَمام فسقط، واستُدعي إلى الإدارة.
قالت تماضر:
— إذا تكرر العنف، سأفصله أياماً.
وقف يَمام صامتاً.
سألته ناردين:
— لماذا ضربته؟
— كذب على أمي.
— وهل أصبح كلامه صحيحاً بعد أن ضربته؟
— لا.
— لكن الجميع نسي الكذبة وبدأ يتحدث عن الضربة.
بقي ينظر إلى الأرض.
دخلت عفراء بعد استدعائها، وبدلاً من الدفاع عنه صفعت كتفه بيدها.
— أشتغل من الصبح لليل حتى تداوم، وإنت تريد يطردوك؟
قال:
— هم أصلاً يطردوني.
تجمدت يدها.
نظر إليها.
— لا تتعبين. خلي أشتغل.
خرجت من الغرفة كي لا يراها تبكي.
في المساء اتصلت ناردين بالمديرة وطلبت عقد لقاء توعوي عن التنمر والهوية لجميع الطلاب من دون ذكر قضية يَمام. وافقت تماضر بشرط ألا يتحول اللقاء إلى مناقشة قانونية تضع المدرسة في موقف محرج.
تحدثت ناردين في الصفوف عن الفرق بين خطأ الإنسان ونقص الأوراق، وعن الأطفال الذين تتأخر وثائقهم بسبب النزوح أو الفقر أو النزاعات الأسرية. قالت إن الوثيقة تثبت حقاً، لكنها لا تصنع قيمة صاحبها.
لم تختفِ القسوة من الطلاب، لكنها فقدت جزءاً من جاذبيتها حين توقفت عن كونها سراً.
بعد ثلاثة أسابيع، وجدت أشجان أول دليل مهم.
كان تقرير حادث العمل الخاص بسطّام محفوظاً في دائرة الضمان. ذكر أن الشركة أبلغت شخصاً يدعى «عفراء سالم — زوجة العامل» بوفاته، وأنها تسلمت أغراضه الشخصية من المستشفى.
كما وُجد في الملف طلب كتبه سطّام قبل موته بشهر لإضافة زوجته الحامل إلى سجل المستفيدين من التأمين الصحي، لكنه لم يُعتمد لأن عقد الزواج غير رسمي.
قالت أشجان:
— هذا لا يحسم النسب وحده، لكنه يثبت أنه قدمك إلى جهة عمله بوصفك زوجته قبل الحادث. لم تكتبي أنتِ المستند بعد موته.
أمسكت عفراء النسخة بيدين مرتجفتين.
— كان يحاول يسجلنا.
— نعم.
— وأنا طول هاي السنوات ظنيت أخّرنا حتى يرضى أبوه.
كان الدليل يبرئ سطّام من جزء من غضبها، لكنه أضاف ألماً جديداً؛ لقد بدأ الإجراء، ثم مات قبل إكماله.
عثرن أيضاً على زميلين سابقين له. قال الأول إنه سمع سطّام يتحدث عن زوجته وحملها، لكنه لم يحضر العقد. أما الثاني فتذكر أنه أوصله مرة إلى البيت الذي عاش فيه مع عفراء.
وافقا على الشهادة.
قُدمت الدعوى.
وصل التبليغ إلى منير، والد سطّام. حضر الجلسة الأولى مع محامٍ، وأنكر الزواج والنسب. قال إن ابنه كان يساعد عفراء بدافع الشفقة، وإنها استغلت وفاته لتطالب بحصة من بيت العائلة.
سألته القاضية:
— هل كنت تعلم بأنها حامل؟
— سمعت بعد موته.
— هل واجهك ابنك برغبته في الزواج منها؟
— قال كلاماً، لكن لا عقد.
— هل رأيت الورقة المرفقة؟
— يستطيع أي رجل دين كتابة ورقة.
جلست عفراء في الطرف الآخر، تشبك أصابعها حتى ابيضت مفاصلها. لم تنظر إليه، لكنه كان يلتفت نحوها كلما تحدث، كأن وجودها الشخصي يزعجه أكثر من القضية.
بعد الجلسة، اقترب منها في الممر.
قال:
— اسحبي الدعوى.
وقفت أشجان بينهما.
— أي حديث يكون عن طريق المحامين.
قال منير:
— هذه قضية عائلة.
أجابته عفراء:
— لو اعتبرتني من العائلة من البداية، ما وصلنا للمحكمة.
نظر إلى يَمام، الذي أصر على الحضور رغم محاولة ناردين إقناعه بالبقاء في المدرسة.
كانت تلك أول مرة يراه فيها منذ الزيارة القديمة.
قال منير:
— كبر.
لم يجب يَمام.
مد الرجل يده كأنه سيضعها على رأسه، فتراجع الصبي.
قال:
— أنا جدك.
أجابه:
— بالمحكمة تقول لا.
سحب منير يده.
قال لعفراء:
— تريدين المال، قولي كم.
— أريد اسم ابني.
— الاسم يجي وراه مال.
— هذا حقه، مو صدقة منك.
غادر الرجل، لكن كلماته وصلت إلى يَمام. في طريق العودة سأل:
— إذا ثبت أن أبي أبوي، آخذ من بيتهم؟
قالت عفراء:
— عندك حق بورث أبيك.
— إذا تنازلت، يعترفون؟
قالت أشجان:
— لا يجوز أن يصبح اسمك مقابلاً لترك حقك. النسب لا يُباع.
بقي صامتاً.
في اليوم التالي، قال لأمه إنه مستعد للتنازل عن أي مال إذا أنهوا القضية بسرعة.
صفعته الجملة أكثر مما كانت ستفعل يد.
قالت:
— أنا ما ركضت ثلاثة عشر سنة حتى تتنازل لأنك تعبت شهرين.
— أريد أداوم بس.
— وتكبر، وبعدين يحتاجون وثيقة للجامعة، وللشغل، وللزواج، ولأطفالك. كل مرة تتنازل عن شي حتى يعطوك اسمك؟
— ما أريد بيتهم.
— مو المهم تريده. المهم ما يقررون حقك لأنهم أقوى.
تدخلت ناردين حين احتد الكلام:
— القضية ليست مالاً الآن. الأولوية للتسجيل والدراسة.
قالت عفراء:
— بالنسبة إلي كلها قضية وحدة. من أول يوم يريدوني أقبل أنه أقل من أولادهم.
لم يكن غضبها موجهاً إلى ابنها، لكنه شعر به كذلك. خرج من الغرفة وصفق الباب.
تأجلت الجلسة الثانية لأن شاهد الشركة لم يحضر. وتأجلت الثالثة لطلب محامي منير مهلة للطعن في المستندات. وفي الجلسة الرابعة أمرت القاضية بإجراء فحص قرابة جيني بين يَمام ومنير أو أحد أعمامه.
رفض منير.
قدم محاميه تقريراً طبياً يقول إن حالته الصحية لا تسمح بأخذ العينة. أوضحت المختبرات أن العينة لا تحتاج إلا مسحة من الفم أو كمية بسيطة من الدم، لكن الرجل تمسك بالرفض.
كان لسطّام أخ أصغر اسمه أوس، يعمل في تجارة مواد البناء. أرسلت إليه المحكمة تبليغاً، فقدم اعتراضاً بحجة أن الفحص اعتداء على خصوصيته وأنه ليس طرفاً في العلاقة.
قالت أشجان:
— الرفض المتكرر يفيدنا، لكنه لا يكفي دائماً وحده. نحتاج إلى تقوية الأدلة.
بدأت تبحث عن المستشفى الذي وُلد فيه يَمام.
بعد شهر من المراجعات، عثرت ناردين على موظفة أرشيف تدعى خولة، عملت في المستشفى قبل إغلاقه. تذكرت أن سجلات الولادة الورقية نُقلت إلى مخزن تابع لمستشفى آخر، لا إلى المخزن المركزي الذي فتشوه.
ذهبت النساء الثلاث إلى هناك.
كان المستودع في قبو رطب، ورزم السجلات مربوطة بحبال. بحثن حسب العام والشهر، حتى وجدن دفتر الولادات.
ظهر اسم عفراء في السطر الثالث عشر.
اسم الطفل: ذكر، لم يسمَّ بعد.
اسم الأب: سطّام منير.
وفي خانة الملاحظات كتب موظف التسجيل: «تم التعريف بالأب وفق نسخة هويته وطلبه المسبق، ويُستكمل عقد الزواج».
قالت خولة:
— المستشفى كان يحتفظ بنسخ الهويات مع الملف الفردي.
بحثوا عن الملف، فلم يجدوه. بدا أن جزءاً من أرشيف ذلك الشهر فُقد بسبب تسرب الماء. لكن السجل الأصلي كان مختوماً، واسم الأب كُتب وقت الولادة، لا بعد سنوات.
حصلت أشجان على نسخة مصدقة.
اقترب موعد الامتحانات النهائية. أرسلت المدرسة طلباً جديداً للسماح ليَمام بالاستمرار، وأرفقت به ما يثبت وجود دعوى قضائية. جاء الرد بأن الطالب يستطيع حضور الدروس، لكنه لا يحصل على رقم امتحاني رسمي قبل تقديم مستند مدني أو أمر قضائي صريح.
قدمت أشجان طلباً مستعجلاً إلى المحكمة.
تأخر القرار.
قبل الامتحان بأسبوع، وزعت المدرسة أرقام الجلوس. حصل كل طالب على بطاقة صغيرة إلا يَمام. بقيت الطاولة أمامه فارغة.
قال مدرسه:
— أنت تؤدي امتحاناً داخلياً، وإذا جاء القرار نثبت نتيجتك.
سأل يَمام:
— وإذا ما جاء؟
— نعيد السنة.
عاد إلى البيت، خلع حقيبته، ووضعها فوق الرف.
في الصباح التالي لم تجده عفراء.
كان فراشه مرتباً، وملابسه المدرسية في الخزانة، واختفى قميصان وبنطال. ترك ورقة كتب فيها: «لا تدورين عليّ. أشتغل وأرجع من أصير عندي اسم».
اتصلت عفراء بناردين وهي تصرخ.
بحثوا في السوق ومحطات النقل ومواقع البناء. أبلغوا الشرطة، واتصلت ناردين بزملائه. قال أحدهم إن يَمام سأل قبل أيام عن معمل طابوق يعمل فيه أخوه خارج المدينة.
ذهبوا إليه.
كان المعمل يقع خلف أراضٍ زراعية، ويعمل فيه رجال وفتيان ينقلون الطابوق من الأفران إلى الشاحنات. وجدوه في نهاية اليوم، وجهه مغطى بالغبار ويداه حمراوين من الاحتكاك.
ركضت عفراء نحوه وصفعته.
ثم عانقته قبل أن يخفض يده عن خده.
— تريد تموتني؟ قالت.
بقي ساكناً بين ذراعيها.
قال صاحب المعمل:
— هو كال عمره ستعش.
نظرت إليه ناردين.
— واضح أنه طفل.
— ما طلبت هويته.
قالت:
— وهذه هي المشكلة نفسها. حين تريد تشغيله لا تسأل عن هويته، وحين يريد الدراسة يطلبونها.
أخذوه إلى المنزل.
في الطريق لم يتكلم يَمام. وعندما دخل، غسل وجهه ويديه، ثم جلس قرب الباب.
قالت عفراء:
— إذا تعيدها، أربطك بالبيت.
— ما أريد أرجع للمدرسة.
— ترجع.
— كلهم عندهم بطاقات إلا أنا.
— إحنا بالمحكمة.
— المحكمة بطيئة.
— والحياة مو أسرع إذا تركت الدراسة.
صرخ:
— تعبت من كل واحد يكلي اصبر! من ولدت وأنا أصبر. إنتِ صبرتي، وأبوي مات، والمحامي سرقج، وجدي ينتظر نموت حتى يرتاح. شنو صار من الصبر؟
لم تجبه.
كان أول مرة يرفع صوته عليها بهذا الشكل. أرادت معاقبته، لكنها رأت الغبار الذي بقي داخل أذنيه وتحت أظافره، وفهمت أن غضبه ليس قلة احترام؛ إنه عمر كامل من الانتظار خرج دفعة واحدة.
قالت بصوت منخفض:
— حقك تغضب. بس مو حقك تختفي وتخليني أدور عليك بين الشاحنات.
بكى أخيراً.
لم يبكِ في المدرسة ولا المحكمة ولا أمام جده. وضع رأسه فوق ركبتيه، وخرج صوته خافتاً في البداية ثم صار حاداً كأنه أصغر من الثالثة عشرة بكثير.
جلست عفراء قربه.
— إذا ما تريد المدرسة باچر، لا تروح. بس لا تقرر عمرك كله وإنت متعب من يوم واحد.
في اليوم التالي بقي في البيت.
وفي اليوم الذي بعده، ذهب إلى المدرسة وحده.
بعد أسبوع صدر الأمر المؤقت. سمحت المحكمة بتسجيل يَمام في الامتحانات باسم «يَمام عفراء» بصورة استثنائية إلى حين حسم النسب، مع حفظ حقه في تعديل الوثائق لاحقاً.
فرحت المدرسة، لكن يَمام قرأ القرار وقال:
— يعني بعدني بلا اسم أب.
قالت ناردين:
— لكنه يسمح لك بالامتحان.
— مؤقت.
— نعم.
— كل حياتي مؤقتة.
— هذه الورقة لا تنهي القضية، لكنها تمنعها من إيقافك.
دخل الامتحان.
في اليوم الأول جلس أمام الورقة دقائق من دون أن يكتب. راقب الأسماء المثبتة على الطاولات، وكل اسم يتكون من ثلاثة أو أربعة أجزاء، بينما حملت بطاقته اسمه واسم أمه فقط.
ثم بدأ الإجابة.
انتهى الفصل، ونجح بتفوق. لم تُصدر المدرسة وثيقته النهائية، لكنها احتفظت بالنتائج وفق الأمر القضائي.
خلال العطلة، تطورت القضية بطريقة لم يتوقعها أحد.
اتصل أوس، عم يَمام، بأشجان وطلب لقاءً بعيداً عن والده.
جلس في مكتب الجمعية وهو ينظر إلى الباب باستمرار. كان في الثامنة والثلاثين، ويشبه صورة سطّام إلى درجة جعلت عفراء تشيح بوجهها حين رأته.
قال:
— والدي لا يعرف أنني هنا.
أجابته أشجان:
— أنت رجل بالغ.
— بالنسبة له، نبقى أطفالاً إذا خالفناه.
سألته عفراء:
— لماذا جئت؟
أخرج من هاتفه صورة قديمة.
ظهر فيها سطّام وعفراء يوم عقدهما، يقفان في غرفة صغيرة. وإلى جانبهما رجل الدين والشاهدان.
كان أوس في طرف الصورة.
قالت عفراء:
— كنت موجوداً.
— دخلت بعد العقد. أخي اتصل بي، وطلب مني أن أصورهما.
— وفي المحكمة قلت ما تعرف.
— لم أُستدعَ في الدعوى القديمة.
— ما كانت أكو دعوى قديمة. المحامي أخذ فلوسي وما قدمها.
خفض رأسه.
— بعد موت سطّام، جاءني أبي وأخذ الهاتف الذي فيه الصور. قال إن العائلة ستُفضح إذا عرف الناس أنه تزوج من دون موافقته. احتفظت بنسخة في حساب قديم.
— وتذكرتها الآن فقط؟
— تذكرتها كل يوم.
اشتد صوتها:
— وابني عاش بلا ورقة ثلاث عشرة سنة.
— أعرف.
— لا، ما تعرف.
قال أوس:
— أبي سجل أرضاً باسمنا بعد موت أخي. إذا ثبت النسب، تدخل حصته في الإرث، وقد نضطر إلى بيع جزء منها. كان يقول إنك ستأخذين المال وتتزوجين وتتركين الولد.
— تزوجت بعده، وطلقت، وربيت الولد. وين الفلوس اللي أخذتها؟
لم يجب.
قالت أشجان:
— هل أنت مستعد للشهادة وإجراء الفحص؟
مسح وجهه.
— إذا فعلت، يقطعني أبي وأخوتي.
قالت عفراء:
— وإذا ما فعلت، تقطع ولد أخوك من أبوه.
نظر إليها.
— أريد وقتاً.
نهضت.
— أخذت ثلاثة عشر عاماً.
خرجت من المكتب.
لم توافق أشجان على الضغط عليه خارج الإجراءات، لكنها أرسلت إلى المحكمة الصورة وطلبت تبليغه رسمياً. أصبح هذه المرة شاهداً معروفاً لا يستطيع الاختباء خلف اعتراض عام.
في الجلسة التالية حضر أوس.
كان منير جالساً في الجهة المقابلة. ما إن رأى ابنه يدخل حتى فهم.
قال بصوت سمعه الجميع:
— إذا تحچي، لا ترجع لبيتي.
توقفت الجلسة لحظة.
قالت القاضية:
— أي تهديد للشاهد يُثبت في المحضر.
أدى أوس اليمين، وشهد بأن أخاه أخبره بالزواج، وأنه رأى عفراء معه في المسكن، والتقط الصورة يوم العقد. كما قال إن سطّام حاول إقناع والده بتسجيل الزواج، وإن منير رفض.
وافق على فحص القرابة.
أُخذت العينات.
استغرق ظهور النتيجة ثلاثة أسابيع. أثبت التقرير وجود قرابة قوية تتوافق مع كون أوس عم يَمام من جهة الأب.
لم يحسم التقرير وحده أن سطّام هو الأب دون بقية إخوة العائلة، لكنه انضم إلى عقد الزواج والصورة وسجل الولادة وطلب التأمين وشهادات زملاء العمل. أصبحت الأدلة سلسلة لا تعتمد على ورقة واحدة.
في الجلسة الأخيرة، طلب محامي منير استبعاد الصورة بحجة إمكانية تعديلها، لكن الخبير الرقمي أكد أنها مأخوذة قبل ولادة يَمام، وأن نسختها محفوظة على خادم قديم بتاريخ سابق لوفاة سطّام. كما أكد خبير الخطوط أن توقيع سطّام على طلب التأمين يطابق توقيعه في وثائق العمل.
سألت القاضية منير للمرة الأخيرة:
— هل ما زلت تنكر أن المدعية كانت زوجة لابنك؟
قال:
— لم يتزوج بموافقتي.
— لم أسألك عن موافقتك.
— الزواج الذي يكسر أهله لا بركة فيه.
— وهل غياب البركة يلغي وقوعه؟
صمت.
صدر الحكم بعد شهر.
ثبتت المحكمة زواج عفراء من سطّام حتى تاريخ وفاته، وثبت نسب يَمام إليه، وأمرت دائرة الأحوال المدنية بتسجيله وإصدار وثائقه، مع حفظ حقه في إرث والده.
حين قرأت أشجان منطوق الحكم، لم تصرخ عفراء ولم تبكِ. ظلت تنظر إلى الورقة وكأنها لا تثق بأن بضعة أسطر تستطيع إنهاء رحلة استغرقت ثلاثة عشر عاماً.
قالت ناردين:
— انتهت.
أجابت عفراء:
— لحد ما تطلع البطاقة، ما انتهى شي.
كانت قد تعلمت ألا تعتبر القرار حقاً حتى يتحول إلى ورقة يستطيع ابنها حملها.
بدأت مرحلة التنفيذ، وكانت أقل درامية وأكثر إنهاكاً. احتاجت إلى تصحيح سجل الولادة، ثم فتح قيد مدني، ثم إصدار رقم وطني، ثم مطابقة اسم الأم، ثم تعديل سجل المدرسة. في كل دائرة طلبوا نسخة مصدقة أو ختمًا جديداً أو حضور شاهد.
لكن هذه المرة كان معها حكم.
وحين يقول موظف إن المعاملة غير ممكنة، تضع أشجان نسخة القرار أمامه، ويصبح غير الممكن إجراءً يحتاج إلى توقيع.
حاول منير استئناف الحكم. رُفض الاستئناف.
ثم أرسل وسيطاً إلى عفراء يعرض عليها مبلغاً مالياً مقابل تنازل يَمام عن حصته في الإرث. رفضت اللقاء.
قال يَمام:
— يمكن نأخذ المبلغ ونرتاح.
قالت:
— إذا بعنا حصتك بسعر عادل بعد تثبيتها، القرار إلك من تكبر. أما هسه يريدون يشترون سكوتنا، مو الأرض.
— ما أريد أعيش ببيتهم.
— ولا أحد طلب منك.
كانت حصة سطّام في أرض زراعية صغيرة ومنزل قديم، ولم تكن ثروة كما روّجت العائلة. لكن الاعتراف بها يعني أن منير لم يعد قادراً على كتابة ابنه المتوفى كما يشاء.
بعد أربعة أشهر، اتصلت دائرة الأحوال.
ذهبت عفراء مع يَمام وناردين. جلسوا في ممر طويل يحمل الناس فيه ملفات بألوان مختلفة. كان يَمام يرتدي قميص المدرسة، رغم أن اليوم عطلة. قال إنه يريد أن تظهر صورته في البطاقة كطالب لا كعامل طابوق.
نادى الموظف اسمه:
— يَمام سطّام منير.
توقف الصبي.
كانت تلك أول مرة يسمع اسمه كاملاً من موظف لا يعرف قصته.
دخل الغرفة.
أخذوا بصماته وصورته. طلبوا منه التوقيع داخل مربع إلكتروني. أمسك القلم بيده اليسرى وكتب اسمه ببطء، ثم رفعه.
قال الموظف:
— لا تخرج خارج الإطار.
أعاد المحاولة.
كتب الاسم مرة ثانية، أصغر وأكثر ثباتاً.
نظرت عفراء إلى الشاشة. الاسم الذي بقي سنوات خارج السجل ظهر الآن تحت صورته، لا بخط يدها ولا على ورقة مستشفى ناقصة، بل داخل النظام الذي رفضه.
خرجوا بإيصال الاستلام.
قال يَمام:
— بعد ما استلمتها.
ابتسمت أمه.
— صرت تشبهني.
جاءت البطاقة بعد أسبوعين.
أمسكها، قلبها بين يديه، ثم وضعها في جيبه. لم تحدث معجزة. لم يصبح أكثر ذكاءً أو أمناً في لحظة، ولم تختفِ السنوات التي شعر فيها بأنه زائد عن الصفوف والجداول. كانت قطعة صغيرة من البلاستيك، لكنها فتحت أبواباً ظلت مغلقة لأن الكبار لم ينجزوا ما كان عليهم إنجازه.
ذهبت ناردين معه إلى المدرسة لتحديث ملفه.
فتحت تماضر قاعدة البيانات، وأدخلت الرقم الوطني. ظهر الاسم الرباعي، وتاريخ الولادة، واسم الأم.
قالت المديرة:
— أخيراً.
ثم ضغطت زر الحفظ.
صدر صوت قصير من الحاسوب.
لم يكن الصوت مهماً لأحد في المكتب، لكنه جعل يَمام ينظر إلى الشاشة طويلاً.
سأل:
— هسه إذا نقلت مدرسة ثانية، يطلع اسمي؟
— نعم.
— وإذا قدمت للجامعة؟
— يظهر.
— وإذا ضاعت البطاقة؟
— نصدر غيرها.
— ما يضيع الاسم وياها؟
قالت ناردين:
— لا. صار له أصل في السجل.
أخرجت ملفه الورقي القديم. كانت الصفحة الأولى تحمل اسمه مكتوباً بقلم رصاص، وقد بهت من كثرة المسح والتعديل. نزعتها، ووضعت مكانها النسخة الرسمية.
قالت:
— هل تريد الورقة القديمة؟
أخذها.
— ليش؟
— لأنها جزء من قصتك، لا من إثباتك.
طواها ووضعها داخل حقيبته.
بدأ العام الدراسي الجديد. انتقل إلى المرحلة التالية بعد تثبيت درجاته، وحصل على كتبه ورقمه مثل بقية الطلاب. توقفت بعض التعليقات، واستمرت أخرى فترة، لكنها لم تعد تملك القوة نفسها. إذا قال أحد إنه بلا أب، كان يستطيع الرد، لكنه غالباً لم يفعل. لم يعد محتاجاً إلى إقناع كل شخص.
أما أوس، فدفع ثمن شهادته داخل عائلته. منعه أبوه من دخول المنزل أشهراً، وتوقفت شراكته مع إخوته. استأجر مخزناً صغيراً وبدأ تجارة مستقلة. لم يتحول فجأة إلى عم قريب؛ فالثلاثة عشر عاماً لا تختصرها نتيجة فحص.
زار يَمام للمرة الأولى في المدرسة، وأعططاه صندوقاً يحتوي أدوات سطّام التي احتفظ بها: مفكاً، ومسطرة معدنية، وراديو صغيراً معطلاً.
قال:
— أبوك كان يصلحه قبل الحادث.
أمسك يَمام الراديو.
— ليش عندك؟
— أخذت أغراضه من موقع العمل.
— وأمي أخذت أغراضه من المستشفى.
— كانت عنده مجموعتان.
ساد صمت.
قال أوس:
— أعرف أني تأخرت.
— إي.
— ما عندي عذر يكفي.
— إي.
— إذا تسمح، أريد أصلحه وياك.
أجاب يَمام:
— أنا ما أعرف أصلح راديو.
— أبوك كان يعرف، وأنا تعلمت منه.
لم يمنحه الغفران في اللحظة نفسها، لكنه أخذ الرقم.
استغرق إصلاح الراديو ثلاث زيارات. وفي الزيارة الرابعة لم يكن هناك شيء يحتاج إلى تصليح، ومع ذلك جاء أوس. بدأت العلاقة من عمل صغير، لا من لقب فرضه فحص الدم.
أما منير، فلم يحاول رؤية حفيده بعد الحكم. أرسل له في أحد الأعياد مبلغاً مع وسيط، فأعاده يَمام.
قالت عفراء:
— كان يمكن أن نأخذ المبلغ. هو أرسله لك، ومن حقك تقرر ماذا تفعل به.
أجاب يَمام:
— إذا كان يريد أن يعطيني شيئاً، يجي بنفسه. ما أريد ظرفاً يمشي بداله.
نظرت إليه طويلاً. كان في صوته غضب، لكنه لم يكن غضب طفل حُرم من هدية، بل غضب شخص تعب من الذين يريدون الاعتراف به من مسافة آمنة.
قالت:
— يمكن ما يعرف شلون يجي.
— وأنا هم ما كنت أعرف شلون أوصل لاسمي، بس وصلت.
لم تجادله. أخذت الظرف وأعادته إلى الوسيط كما طلب.
أما أوس، فاستمر في زيارتهما. لم يحاول أن يحل مكان أخيه، ولم يطلب من يَمام أن يناديه بلقب لا يشعر به. كان يأتي حاملاً قطعة للراديو القديم، أو كتاباً مستعملاً، أو خبراً صغيراً عن سطّام لم تعرفه عفراء.
استغرق إصلاح الراديو ثلاث زيارات أخرى.
في الزيارة الأخيرة، جلس أوس ويَمام على الأرض قرب النافذة، وبينهما البراغي والأسلاك والغطاء الخشبي القديم. أدار أوس المفتاح، فصدر تشويش طويل، ثم ظهر صوت مذيع بعيد قبل أن يختفي ثانية.
قال يَمام:
— اشتغل!
— تقريباً.
— هذا مو تقريباً. سمعته.
حرّك أوس المؤشر ببطء حتى استقر الصوت على محطة تبث أغنية قديمة. بقي الاثنان ساكتين لحظة.
قال أوس:
— أبوك كان يسمعها وهو يصلح دراجته.
سأل يَمام:
— كان يعرف يصلح كلشي؟
ابتسم أوس.
— لا. بس كان يبدأ قبل ما يعرف إذا يگدر.
وضع يَمام يده على الخشب المصقول، وتخيل أباه جالساً أمام الراديو نفسه. لم تكن الصورة كاملة، لكنها لم تعد فراغاً تملؤه تخمينات الآخرين. صار لديه صوت يرويه شخص عرفه، وأشياء لمسها، واسم يحمله رسمياً.
في المدرسة، طلبت معلمة الجغرافيا من الطلاب إعداد خريطة لأحيائهم، وتحديد الأماكن التي يعرفونها جيداً. رسم يَمام الشارع المؤدي إلى البيت، والمدرسة، والمخبز، ومكتب المحامية أشجان، والمحكمة التي انتظر فيها ساعات طويلة.
سألته المعلمة:
— المحكمة من الأماكن المهمة في الحي؟
قال:
— مو بالحي. بس مهمة بالخريطة.
— لماذا؟
أشار إلى نقطة صغيرة رسمها عند طرف الورقة.
— لأن من هنا رجع اسمي.
لم تفهم المعلمة العبارة كلها، لكنها لم تطلب منه حذف المكان.
عندما أنهى الخريطة، قلب الورقة وكتب اسمه كاملاً بخط واضح:
يَمام سطّام منير.
توقف عند الاسم الأخير. كان يستطيع أن يحذفه، لكنه لم يفعل. فهم أن الاسم لا يعني المحبة دائماً، ولا يمنح صاحبه حقاً في حياته. هو سجل للصلة، لا شهادة على الوفاء.
في نهاية الفصل، طُبعت الشهادات من النظام الجديد. لم تحتج ناردين إلى كتابة اسمه بقلم رصاص، ولم تضطر إلى إرفاق ملاحظة تشرح سبب اختلافه عن السجلات.
ناداه المدير أمام الطلاب، فتقدم وتسلم شهادته.
قرأ اسمه مرة، ثم أعاد قراءته.
لاحظت ناردين ذلك، فسألته بعد انتهاء الحفل:
— أكو خطأ؟
قال:
— لا.
— إذن ليش تتأكد؟
رفع الشهادة أمامها.
— لأن أول مرة أشوفه مطبوعاً وما أخاف أحد يكول مو موجود.
ابتسمت.
— هسه موجود؟
نظر إلى الشهادة، ثم إلى أمه الواقفة عند الباب، وإلى أوس الذي جاء متأخراً وبقي في آخر القاعة حتى لا يلفت الانتباه.
قال:
— أنا من قبل موجود. بس هم هسه عرفوا.
في طريق العودة، حملت عفراء الشهادة داخل ملف شفاف حتى لا تنثني. وكان يَمام يحمل الراديو الصغير بعد أن أصر على أخذه إلى المدرسة ليريه لمعلم النشاط.
قالت له:
— انتبه، لا توقعه. تعبتم عليه.
أجاب:
— إذا تعطل، نصلحه مرة ثانية.
وصلوا إلى البيت، فوضع الشهادة في الدرج الذي كانت أمه تحفظ فيه الأوراق القديمة. وجد الورقة المدرسية الأولى، تلك التي كُتب عليها اسمه بالقلم لأن النظام لم يعترف به.
أخرجها ووضعها إلى جانب الشهادة الجديدة.
سألته عفراء:
— ليش محتفظ بيها؟
قال:
— حتى ما أنسى الفرق.
— بين شنو وشنو؟
نظر إلى الاسمين؛ واحد كُتب على الهامش، والآخر طُبع في مكانه الصحيح.
— بين واحد يعرف اسمه، وواحد يگدر يثبته.
أغلق الدرج، ثم شغّل الراديو. امتلأت الغرفة بتشويش خفيف قبل أن يستقر الصوت.
لم يعد يَمام يحتاج إلى أحد كي يسمح له بالوجود، ولا إلى رجل يرسل المال من بعيد ليقرر إن كان حفيده أم لا. صار يحمل بطاقة باسمه، وشهادة باسمه، وحكاية يعرف أين تبدأ، حتى لو بقيت فيها أماكن ناقصة.
أما الاسم الذي انتظر سنوات حتى يكتمل في الأوراق، فلم يعد كل ما يملكه.
كان بداية فقط.
وما سيأتي بعده، سيكتبه يَمام بنفسه.

تعليقات
إرسال تعليق