حين كتب اسمه
كان وائل يعرف أشكال الحروف كما يعرف أشكال القطع المحترقة داخل الأجهزة الكهربائية؛ يميزها بعينه، ويتوقع وظيفتها من مكانها، لكنه لا يستطيع دائماً أن يقول ما الذي تعنيه.
في السادسة والثلاثين من عمره، كان يدير محلاً صغيراً لتصليح الغسالات والثلاجات في سوق مزدحم، ويستطيع اكتشاف العطل من صوت المحرك قبل أن يفتح الغطاء. يعرف الفرق بين رائحة سلك احترق بسبب الحمل الزائد ورائحة ملف انتهى عمره، ويحفظ أسعار مئات القطع وأماكنها في المخزن، ويتذكر وجوه الزبائن وأعطال أجهزتهم حتى بعد سنوات.
لكن إذا أعطاه أحدهم ورقة طويلة، تحولت ثقته كلها إلى حذر.
كان يمرر إصبعه تحت السطور ببطء، يتعرف إلى كلمات قليلة، ثم يجمع المعنى من الأرقام والأختام وطريقة كلام الشخص الذي يقف أمامه. وإذا شعر بأن أحداً يراقبه، طوى الورقة وقال:
— أخلي المحاسب يراجعها.
لم يكن لديه محاسب.
كان كرّار، الصبي الذي يعمل معه منذ سنتين، هو من يقرأ الفواتير ويكتب أسماء الزبائن. أما وائل فيسجل كل شيء بصور الهواتف والرسائل الصوتية. يصور الجهاز عند استلامه، ثم يقول في التسجيل:
«غسالة بيضة، بيت أبو حمزة، صوت قوي بالعصر، العربون خمسين».
حفظ كرّار النظام، ولم يسأله لماذا لا يكتب.
كان معظم الناس يظنون أن وائل ترك المدرسة مبكراً ونسي الكتابة بسبب مرور الزمن. والحقيقة أنه لم يتعلمها جيداً منذ البداية.
دخل الصف الأول في الثامنة لأن أسرته كانت تنتقل بين القرى مع عمل أبيه الموسمي. غاب كثيراً، ثم انتقل إلى مدرسة أخرى لا يعرف فيها أحد ما الذي فاته. كان المدرسون يطلبون منه القراءة، فيقف صامتاً، فيضحك التلاميذ. وحين يخطئ، يضربه أحد المعلمين على أصابعه ويقول:
— رأسك للعمل، مو للدراسة.
صدّق الجملة.
في الثانية عشرة، ترك المدرسة وعمل مع خاله في تصليح المراوح. لم يعترض أبوه؛ فالبيت كان يحتاج إلى المال، والمدرسة في نظره لم تقدم للصبي سوى الإهانة.
تعلم وائل المهنة بسرعة. وصار، مع مرور السنوات، ماهراً بما يكفي كي يخفي ما لا يعرفه. يحفظ أسماء الشوارع من أشكال اللافتات، ويطلب من الآخرين ملء الاستمارات بحجة أن خطه سيئ، ويختار من قوائم المطاعم الأطباق التي يعرف صورها.
لم يكتشف سره سوى أمه وكرّار، وامرأة اسمها تمارا التقاها في يوم كان يظن أنه ذاهب لتجديد إجازة محله.
وصل إلى البلدية في الثامنة صباحاً، يحمل ملفاً أزرق جمع فيه الأوراق التي أخبره جار المحل أنه سيحتاج إليها. وقف في طابور طويل، وعندما وصل إلى الشباك دفع الملف إلى الموظف.
فتحه الرجل، قلب الأوراق، ثم قال:
— ناقصك تعهد السلامة واستمارة التصنيف.
— منين آخذهن؟
أشار إلى ممر جانبي.
— غرفة سبعة.
ذهب وائل إلى الغرفة فوجد طاولة فوقها رزمة استمارات ولافتة معلقة على الجدار. وقف أمامها محاولاً فهم التعليمات. تعرف إلى كلمة «طلب»، وإلى اسمه المطبوع في إحدى الأوراق، لكنه لم يفهم بقية العناوين.
أخذ استمارتين عشوائيتين وجلس.
كان يستطيع كتابة اسمه إذا فعلها ببطء شديد، لكنه يخطئ أحياناً في ترتيب الحروف. أما بقية الحقول، فبدت له كأنها أبواب كثيرة لا يعرف أيها يقود إلى الخارج.
نظر حوله بحثاً عن شخص يساعده. كان كرّار في المحل، ولا يريد الاتصال به أمام الموظفين. جلس قربه رجل مسن، لكنه كان يملأ استمارته بصعوبة مماثلة.
سمع صوت امرأة تقول:
— هذه الاستمارة مو مال تجديد الإجازة.
رفع رأسه.
كانت تقف أمامه امرأة في الثانية والثلاثين تقريباً، ترتدي قميصاً بلون الزيتون وتحمل ملفات كثيرة. أشارت إلى الورقة في يده.
— أخذت استمارة اعتراض على غرامة.
قال وائل بسرعة:
— أعرف. بس أردت أشوفها.
لم تبدُ مقتنعة.
سألته:
— محلك تصليح أجهزة؟
رأت ختم المهنة فوق الملف.
— إي.
سحبت استمارة من الرزمة الأخرى ووضعتها أمامه.
— هاي المطلوبة. لازم تمليها وتوقع تحت.
— أخليها للمحاسب.
— تقدر تاخذها وياك، بس الإجازات الجديدة تحتاج اختبار سلامة بسيط بعد تقديمها.
— أعرف.
كانت كلمة «أعرف» درعه الأول.
شكرها ونهض. سقطت من ملفه فاتورة قديمة. انحنت والتقطتها قبله، فرأت ظهرها الممتلئ برسوم صغيرة لأسلاك وقطع غيار، وبجوار كل رسم رقم.
قالت:
— هذه ملاحظاتك؟
أخذ الورقة منها.
— شغل.
— مرتبة.
— لأن الشغل إذا ما ترتب يحرق بيت الناس.
قالتها عيناه قبل صوته: انتهى الحديث.
خرج من الغرفة، لكنه سمعها تناديه:
— أستاذ وائل.
توقف مندهشاً من معرفتها اسمه، ثم تذكر الملف.
ناولته بطاقة صغيرة.
— أنا تمارا، أعمل في برنامج التعليم المجتمعي بالبلدية. إذا تحتاج مساعدة بالاستمارة، عدنا دوام مسائي مجاني.
قرأ من البطاقة كلمة «تمارا» وشعار البلدية فقط.
قال:
— ما أحتاج.
وضع البطاقة في جيبه ومضى.
في المحل، طلب من كرّار ملء الاستمارة. جلس الصبي خلف الطاولة يقرأ الأسئلة ويكتب الأجوبة، ثم وصل إلى خانة المؤهل الدراسي.
رفع رأسه.
— شنو أكتب؟
— ابتدائية.
— متخرج؟
تظاهر وائل بترتيب الأدوات.
— اكتب ابتدائية وخلاص.
قال كرّار بحذر:
— يحتاجون نسخة شهادة حسب المكتوب.
خطف وائل الورقة من يده.
— بعدين أراجعها.
بعد ثلاثة أيام، عاد الملف إليه مرفوضاً. جاء في الإشعار أن رخصة التصنيف المهني الجديدة تتطلب اجتياز اختبار كتابي في السلامة وقراءة تعليمات الأجهزة.
قال كرّار:
— آني أدرسك الأسئلة.
— أنت بعدك بالسادس الإعدادي وتريد تدرسني؟
— مو عيب.
نظر إليه وائل بحدة جعلته يصمت.
أغلق المحل مبكراً، وعاد إلى البيت الذي يعيش فيه مع أمه، أمينة. وجدها تنظف العدس قرب النافذة.
وضعت أمامه صحن الطعام وسألته:
— شبيك؟
— ما بيّ شي.
— من تدخل وتنسى تغسل إيدك، يعني بيك شي.
جلس، لكنه لم يأكل.
أخرج بطاقة تمارا من جيبه ووضعها على المائدة.
— شنو مكتوب هنا غير اسمها؟
مسحت أمينة يديها بطرف ثوبها، وأخذت البطاقة. كانت تقرأ ببطء، لكنها أكملت المرحلة الابتدائية.
— «برنامج محو الأمية وتعليم الكبار. صفوف مسائية مجانية».
أعاد البطاقة إلى جيبه.
قالت:
— روح.
— ما أروح.
— ليش؟
— أجلس ويا ناس بعمر أطفالي حتى يعلموني الألف والباء؟
— إذا المرض قديم، الدواء ما يصير عيب لأنك كبرت.
قال بعصبية:
— مو مريض.
— أعرف. بس أنت تعبت من التخبية.
لم يجب.
كانت أمه الوحيدة التي رأته يعود صغيراً كلما وقعت أمامه ورقة. حاولت تعليمه في طفولته، لكنها نفسها لم تكن تعرف إلا القليل. وحين صار رجلاً، كفّت عن فتح الموضوع لأنها رأت كيف يحمي كرامته منه.
قالت:
— أبوك مات وهو يظن أنه أنقذك من المدرسة لما خلاك تشتغل. ما كان يعرف أنه خلا كل ورقة بعدين تصير معلم يضربك.
نظر إليها طويلاً.
في مساء الأحد، ذهب إلى مركز التعليم المجتمعي.
اختار وقتاً متأخراً كي لا يراه أحد من السوق، ووقف خارج الباب عشر دقائق يفكر في العودة. كانت القاعة داخل مدرسة ابتدائية، والكراسي أصغر من أجساد معظم الحاضرين. رأى عاملاً في مطعم، وامرأة مسنة، وشابين، وثلاث نساء في أعمار مختلفة.
كانت تمارا ترتب الدفاتر.
رفعت رأسها، وعرفته فوراً، لكنها لم تقل: «كنت أعرف أنك ستأتي». أشارت فقط إلى كرسي في الصف الأخير.
— أهلاً أستاذ وائل.
قال:
— جاي أسأل عن اختبار السلامة.
— نساعدك عليه، بس أول شي نسوي تحديد مستوى.
— يعني امتحان؟
— مو امتحان نجاح ورسوب. نريد نعرف منين نبدأ.
ناولته ورقة.
نظر إليها، ثم إليها.
قال:
— إذا كلشي بالورق، ما كان جيت.
أخذت الورقة بهدوء.
— تمام. نسويه شفهياً.
كانت تلك أول مرة تساعده من دون أن تجعله يشعر بأن المساعدة تُعلن نقصه.
سألته عن الحروف والأرقام وبعض الكلمات. عرف الأرقام كلها، وقرأ كلمات مرتبطة بعمله مثل «كهرباء» و«خطر» و«ضمان»، لكنه عجز عن قراءة جملة كاملة. وعندما طلبت منه كتابة اسمه، قبض على القلم بقوة حتى ابيضت مفاصله.
كتب: «واىل».
نظر إلى الكلمة، وعرف أن شيئاً فيها خطأ.
مد يده ليمزق الورقة، لكنها وضعت كفها فوق طرفها.
— لا تمزقها.
— الاسم غلط.
— نخليه حتى تقارنه باسمك بعد شهرين.
— ما أريد أحد يشوفه.
طوت الورقة ووضعتها في ملف منفصل.
— ما يشوفه غيرك.
بدأ وائل الحضور ثلاث أمسيات في الأسبوع. في الشهر الأول لم يخبر أحداً سوى أمه وكرّار. كان يغلق المحل بحجة الذهاب إلى دورة مهنية، وهي جملة صحيحة جزئياً.
تعلم الحروف من الكلمات التي يعرفها في المهنة. لم تقل له تمارا: «باء مثل بطة»، كما في كتب الأطفال، بل كتبت: «باب»، «بطارية»، «برغي». وحين تعلم حرف الغين، بدأت بـ«غسالة». وحين خلط بين السين والشين، جعلته يقرأ أسماء قطع يحتفظ بصورها في هاتفه.
لم تكن تمارا المعلمة الوحيدة، لكنها كانت مسؤولة عن مجموعته. درست اللغة العربية، ثم عملت سنوات في مدرسة أهلية قبل أن تنتقل إلى البرنامج البلدي. كانت تؤمن أن الأمية ليست عيباً فردياً دائماً؛ أحياناً تكون نتيجة فقر، أو حرب، أو مدرسة طردت الطفل نفسياً قبل أن يتركها جسدياً.
قالت للصف في إحدى الليالي:
— الإنسان اللي ما حصل فرصة يتعلم مو أقل ذكاء. بس إذا حصل فرصة ثانية ورفضها خوفاً من كلام الناس، هنا هو يظلم نفسه.
شعر وائل أنها تقصده، فانتظرها بعد الدرس.
قال:
— إذا عندچ كلام إليّ، قوليه إليّ، مو للصف كله.
نظرت إليه بدهشة.
— الكلام للكل.
— صادف أني الوحيد اللي رفض بالبداية.
— أغلب الموجودين رفضوا بالبداية.
— أنتِ تعرفين قصصهم كلها؟
— أعرف القدر اللي اختاروا يقولوه.
— وأنا ما اخترت أقول قصتي.
أغلقت حقيبتها.
— وأنا ما سألتك عنها.
أحرجه أنها لم تدافع عن نفسها طويلاً.
قالت:
— بالمناسبة، قرأت اليوم ثلاث جمل كاملة. إذا تريد تزعل، ازعل بعد ما تعترف أنك تتحسن.
خرج وهو يحاول إخفاء ابتسامته.
تدريجياً، صار ينتظر أيام الدرس. لم يكن السبب تمارا وحدها. أحب الشعور الذي يأتي حين تتحول العلامات الغامضة إلى معنى. قرأ للمرة الأولى التحذير المكتوب على عبوة مادة تنظيف كان يستخدمها منذ سنوات، فاكتشف أنها لا يجوز أن تلامس الألمنيوم. قرأ اسم الشارع بدلاً من حفظ لون اللافتة. وذات صباح، فتح رسالة نصية من شركة الكهرباء وفهمها من دون أن ينادي كرّار.
قال للصبي:
— راح يقطعون الخط الخميس للصيانة.
نظر كرّار إلى الهاتف، ثم إلى وجهه.
— قريتها؟
— لا، نزل عليّ الوحي.
ضحك كرّار، ثم مد يده إليه. صافحه وائل كأنهما أتما صفقة.
بدأت تمارا تراه خارج صورة الطالب المتحفز. أحضر ذات يوم مروحة الصف إلى محله وأعادها تعمل من دون أن يطلب أجراً. وفي ليلة شديدة المطر، بقي بعد انتهاء الدرس ليصلح تسرباً قرب لوحة الكهرباء، ومنع العامل من لمس سلك مكشوف.
قالت له وهي تمسك المصباح:
— واضح أنك بالسلامة أحسن من واضع الاختبار.
— بس هو يعرف يكتب الأجوبة.
— قريباً أنت هم تعرف.
— قريباً كلمة يستخدمها المدرسون لما ما يريدون يحددون موعداً.
— بعد ستة أسابيع.
— هذا تهديد لو وعد؟
— يعتمد على واجباتك.
كان الحوار بينهما خفيفاً، لكنه لم يكن بلا حذر. تمارا تعرف أن اقترابها منه أثناء كونه طالباً قد يُفهم خطأ، ووائل كان يرفض أن يخلط امتنانه لها بشيء آخر. لذلك بقيت العلاقة داخل حدود الصف، تنمو في التفاصيل التي لا يسميها أحد.
كانت تعرف من طريقة وضعه القلم فوق الدفتر إن كان متوتراً. ويعرف من سرعة ترتيبها للأوراق إن كانت غاضبة. كانت تشرب قهوتها باردة لأنها تنساها أثناء الشرح، فصار يضع قربها كوباً بغطاء يحفظ الحرارة. وعندما تعطلت دراجتها، أصلح ضوءها الخلفي في ساحة المدرسة من غير أن يسأل.
في إحدى الليالي، غابت تمارا.
حل محلها مدرس آخر، وأخبرهم أنها أخذت والدتها إلى المستشفى. لم يعرف وائل طبيعة المرض، لكنه بقي طوال الدرس مشوشاً. كتب لها رسالة، ثم حذفها لأنه لم يثق بصياغته. سجل صوتاً، ثم حذفه أيضاً.
أخيراً كتب:
«سلامتها الوالدة».
قرأ الجملة مرات قبل إرسالها.
جاء الرد بعد ساعة:
«الله يسلمك. أول رسالة تكتبها لي بلا مساعدة، صح؟»
ابتسم.
كتب:
«شلون عرفتي؟»
أجابت:
«لأنك وضعت الهمزة بمكانها، ونسيت النقطة في نهاية الجملة. هذا خطك أنت.»
منذ تلك الليلة، بدأت رسائلهما قصيرة ومباشرة. يسأل عن والدتها، فتخبره أن العملية نجحت. ترسل إليه صورة لجملة وتطلب منه اكتشاف الخطأ. وفي المقابل، يصور لها لافتة محل ويخبرها أن صاحبها كتب «صيانة» بطريقة خاطئة.
قالت له:
«لا تتعلم بسرعة حتى تفضح أخطاء الناس.»
أجاب:
«أريد أعوض ستة وثلاثين سنة.»
حين اقترب موعد الاختبار، طلبت تمارا من الطلاب كتابة فقرة قصيرة عن عمل يتقنونه. كتب وائل عن إصلاح الغسالات.
استغرق منه الأمر ساعة كاملة. كانت الجمل بسيطة، وبعض الكلمات ناقصة، لكنه كتبها من دون أن يمليها على أحد:
«العطل لا يظهر دائماً من المكان الذي يخرج منه الصوت. مرات الصوت يكون نتيجة، والسبب يكون بعيداً. المصلح الجيد لا يبدل القطعة بسرعة. لازم يفهم لماذا احترقت، حتى لا تحترق الجديدة.»
قرأت تمارا الفقرة مرتين.
قالت:
— هذه مو بس عن الغسالات.
— لا تبدين تحليل نفسي.
— ما حللت. قلت إن المعنى أوسع.
— المعنى هو اللي كتبته.
أعادت الورقة إليه.
— احتفظ بها.
— ليش؟
— يمكن تحتاج تقرأها لنفسك يوم تبدل قطعة وتنسى السبب.
لم يفهم تماماً ما تقصده، لكنه وضع الورقة في جيبه.
نجح في اختبار السلامة بدرجة عالية. لم يكن الاختبار صعباً كما تخيل، لكن لحظة تسلم النتيجة بدت له أكبر من الورقة. قرأ اسمه، والدرجة، وكلمة «ناجح» بنفسه.
ذهب مباشرة إلى محل طباعة اللافتات.
طلب لوحة جديدة لمحله تحمل اسمه كاملاً:
«وائل أمين لصيانة الأجهزة الكهربائية».
حين ثبتها فوق الباب، وقف في الرصيف المقابل يتأملها. كان اسمه موجوداً على المحل القديم أيضاً، لكنه وضع سابقاً بناءً على طلب شفهي، ولم يكن قادراً على قراءته بثقة.
قال كرّار:
— هسه صار المحل رسمي؟
أجاب:
— هسه صار اسمي رسمي.
دعا جميع زملائه في الصف إلى وجبة بسيطة احتفالاً بالنجاح. جاءت تمارا مع والدتها، سعاد، التي استعادت صحتها جزئياً. رحبت بها أمينة بحرارة، وراقبت ابنها وهو يقدم الطعام لتمارا أكثر مما يقدم للآخرين.
بعد انتهاء المناسبة، قالت له:
— المعلمة عاجبتك.
كاد يختنق بالشاي.
— أمي، هي معلمتي.
— كانت. الدورة خلصت.
— شنو تريدين؟
— ما أريد. أسأل.
— سؤالچ بيه جواب جاهز.
— إذا الجواب غلط، صححه. مو هسه تعرف تكتب؟
ترك الغرفة قبل أن يرى ضحكتها.
بعد انتهاء الدورة، انقطع السبب الطبيعي للقاء تمارا. لم تعد رسائلهما يومية. كانت تبارك له عند إنجاز معاملة، ويسأل عنها إذا غابت أياماً، لكن كلاً منهما انتظر أن يخطو الآخر خارج علاقة المعلمة والطالب.
فعل وائل ذلك بعد شهر.
دعاها إلى مقهى قريب من المركز، وجلس أمامها متوتراً أكثر مما كان في أول اختبار.
قال:
— أريد أحچي بشي، وإذا ما ناسبچ نرجع مثل قبل.
— تفضل.
— ما أعرف أحچي كلام مرتب.
— الكلام المرتب مو دائماً صادق.
أخذ نفساً.
— أنا ارتحت إلچ، مو بس لأنچ علمتيني. وأريد أعرف إذا ممكن نتعرف بطريقة جدية، للزواج يعني، مو علاقة بلا عنوان.
لم تبتسم فوراً.
قالت:
— أخاف أنك خالط بين الامتنان والحب.
كان قد توقع الجواب، لكنه آلمه.
— فكرت بهذا.
— وإلى شنو وصلت؟
— لو الموضوع امتنان، جان تعلقت بكل شخص علمني مهنة. خالي علمني التصليح، وما أفكر أتزوجه.
ضحكت رغم محاولتها البقاء جادة.
تابع:
— أنتِ ما عاملتيني كناقص. وبنفس الوقت ما جاملتيني. أعرف أن هذا وحده مو سبب زواج. بس أريد فرصة نعرف الباقي.
قالت بعد صمت:
— وأنا مرتاحة لك. لكن عندي شرط.
— شنو؟
— ما تخلي تعليمي يصير دين عليك. إذا اختلفنا يوماً، لا تتعامل وياي كأنني صاحبة فضل، ولا تتوقع أنني أعرف أكثر منك بكل شيء.
— وأنتِ لا تعامليني كمشروع نجح عندچ.
مدت يدها فوق الطاولة.
— اتفقنا.
صافحها.
— اتفقنا.
بدأت علاقتهما رسمياً. زارت تمارا بيت أمينة، وزار وائل أسرتها. كان والد تمارا، جلال، موظفاً متقاعداً، استقبل وائل بأدب لكنه لم يخفِ تحفظه.
سأله عن دراسته، فأجاب وائل بالحقيقة:
— تركت المدرسة وأنا صغير، وكملت برنامج محو الأمية هذه السنة.
ساد الصمت.
سأل الأب:
— وشغلك؟
— عندي محل تصليح من أربعة عشر سنة، وإجازته تجددت، وعندي عامل. دخلي مو ثابت، لكنه معروف تقريباً.
قال شقيق تمارا الأكبر، مروان:
— يعني أختي خريجة جامعة وأنت توك تعلمت القراءة؟
تدخلت تمارا:
— مروان.
لكن وائل أجاب:
— إي. هاي الحقيقة.
— وما تشوف فرق كبير؟
— أشوف فرق بالتعليم، مو بالقيمة.
لم يعجبه مروان الجواب، واعتبره محاولة لإظهار الثقة. وبعد مغادرة وائل، قال لتمارا:
— أنت متأثرة بقصته. ساعدتيه، فحسيتي أنك مسؤولة تكملين حياته.
— أنا لا أكمل حياة أحد.
— الناس راح يقولون المعلمة تزوجت طالبها.
— انتهت دورته قبل أن تبدأ العلاقة.
قال أبوها بهدوء:
— الموضوع مو كلام الناس فقط. الزواج يحتاج تقارباً فكرياً.
— وائل ذكي.
— ما قلت غبي. لكنك تحبين الكتب والنقاش والسفر، وهو عاش حياة مختلفة.
— الاختلاف مو دائماً فجوة.
قال مروان:
— وبعد سنوات، يمكن يتحسس من شهادتچ أو يمنعچ من العمل حتى يثبت نفسه.
لم يكن خوفهم كله تعالياً. عاشت إحدى قريباتهم زواجاً من رجل أقل تعليماً ظل يفسر نجاح زوجته على أنه إهانة له، حتى أجبرها على ترك وظيفتها. لكن تمارا رفضت أن يتحول نموذج واحد إلى حكم على كل رجل.
في المقابل، لم تكن أمينة مطمئنة أيضاً.
قالت لابنها:
— البنية زينة، بس أهلها من البداية شايفينك أقل.
— مو كلهم.
— أخوها حچاله واضح.
— أتزوجها هي، مو أخوها.
— والعائلة تدخل من الباب ويا العروس.
— وأنتِ هم خايفة لأنها متعلمة.
أنكرت أولاً، ثم قالت:
— أخاف كل اختلاف بينكم ترد عليك بكلمة ما تعرفها، أو تشعرك أنك مدين إلها.
— هي أول واحدة حذرتني من هذا.
لم ينهِ كلام الناس العلاقة، لكنه جعل كل خلاف صغير يحمل ظلاً أكبر من حجمه.
ذات يوم، قررت تمارا التقديم لوظيفة إشرافية في مؤسسة تعليمية خاصة. كان الراتب أعلى، لكن العمل يتطلب سفراً إلى محافظات أخرى عدة أيام كل شهر.
أخبرت وائل بعد أن قدمت الطلب.
سأل:
— ليش ما حچيتي قبل؟
— لأن القرار يخص عملي.
— ما قلت آخذ القرار عنچ. بس المفروض أعرف.
— كنت أريد أتأكد أن المقابلة جدية.
— وإذا قبلوچ؟
— نناقش ترتيب حياتنا.
قال:
— بعد القبول؟
شعرت أن لهجته تشبه ما حذرها منه أهلها.
— وائل، أنا لن أطلب إذناً حتى أطور عملي.
— وأنا ما طلبت تستأذنين. طلبت تشاركينني قبل ما يصير القرار جاهزاً.
— الفرق بين المشاركة والاستئذان يصير صغيراً أحياناً.
— مو كل سؤال مني محاولة سيطرة.
أجابته بحدة:
— ومو كل قرار مني تجاهل إلك.
انتهى اللقاء ببرود.
في اليوم التالي، أرسلت له رسالة تشرح موقفها. قرأها، لكنه فهم بعض كلماتها خطأ. كانت قد كتبت: «أخشى أن يتحول قلقك المشروع إلى وصاية غير مقصودة».
توقف عند كلمة «وصاية». بحث عن معناها، فشعر أنها تتهمه بالتحكم بها.
رد:
«إذا من هسه تشوفيني أفرض وصاية، الأفضل كل واحد يروح بطريقه.»
صُدمت تمارا من الرد. اتصلت به، فلم يجب. أرسلت تسجيلاً صوتياً، لكنه لم يفتحه لأنه رأى فيه محاولة لتبسيط كلام «لن يفهمه».
مر يومان.
ذهبت إلى محله.
كان يعمل داخل غسالة مفتوحة، ويداه ملطختان بالشحم.
قالت:
— ليش ما جاوبت؟
— ما عندي شي أضيفه.
— كتبت لك أن قلقك مشروع.
— وبعدها وصاية.
— قلت أخاف يتحول، ما قلت إنه صار.
— نفس المعنى.
— لا، مو نفس المعنى.
سكت.
فهمت فجأة أن المشكلة ليست في موقفه من عملها فقط.
سألته:
— أنت قرأت الرسالة وحدك؟
رفع رأسه.
— إي، قرأتها.
— ما سألت عن معنى الجملة؟
— ما أحتاج كل مرة ترجمة.
قالتها كرامته قبل عقله.
أجابت بهدوء:
— إذن أنت مو زعلان من سفري فقط. أنت زعلان لأنك شعرت أنني استخدمت كلمة أعلى منك.
— لا تحللينني.
— وأنت لا تحول كل سوء فهم إلى امتحان لكرامتك.
وقف.
— سهل عليچ الكلام. أنتِ ما تعرفين شنو يعني كل ورقة تذكرك أن شخصاً غيرك يعرف وأنت لا.
— أعرف أنك تعبت. لكنني ما كتبت الرسالة حتى أذكرك بأي شيء.
— بس راح يبقى الفرق. اليوم كلمة، باچر كتاب، بعده حديث قدام أهلچ وأنا أسكت حتى لا أغلط.
قالت:
— الفرق الحقيقي مو أنني أعرف كلمة وأنت لا تعرفها. الفرق أنك كلما خفت من أن أراك أقل، تدفعني بعيداً قبل أن أقول شيئاً.
— وأنتِ كلما صار خلاف، ترجعين لدور المعلمة وتشرحين لي نفسي.
أصابها كلامه.
سكتت، ثم قالت:
— يمكن إحنا الاثنين نسوي الشي اللي خفنا منه.
— شنو يعني؟
— أنت تتصرف كأنني سأحتقرك، وأنا أتصرف كأن عليك أن تفهم بالطريقة التي أحددها.
نظرا إلى بعضهما طويلاً.
قال وائل:
— أحتاج وقت.
خرجت تمارا، وبقيت العلاقة معلقة.
بعد أسبوع، قُبلت في الوظيفة الجديدة. لم تخبره مباشرة. عرف من منشور كتبه المركز مهنئاً لها. اعتبر ذلك دليلاً على أنها اتخذت طريقها من دونه.
وفي الأسبوع نفسه، حدث عطل كبير في محل وائل. اشتعلت لوحة الكهرباء ليلاً، وأتلف الحريق جزءاً من الأدوات وعدة أجهزة للزبائن. لم يُصب أحد، لكن الخسارة كانت أكبر من مدخراته.
رفض أن يتصل بتمارا. عرفَت من كرّار الذي أرسل لها رسالة:
«أستاذة، لا تقولين إني خبرتچ، بس المحل احترق ووائل ما يقبل مساعدة.»
جاءت في الصباح.
وجدته ينظف السواد عن الجدار.
قال:
— كرّار اتصل بيچ؟
— إي.
نظر الصبي إلى الأرض.
قال وائل:
— ما كان لازم.
أجابت:
— وإذا ما اتصل، شلون أعرف؟
— ما لازم تعرفين.
— لأننا مختلفين؟
— لأنچ اخترتِ شغلچ.
— اختيار عملي مو اختيار ضدك.
— ما خبرتيني بالقبول.
— وأنت قطعت الكلام.
— طلبت وقت.
— الوقت مو اختفاء.
تدخل كرّار قائلاً:
— آني أطلع أجيب شاي.
غادر سريعاً.
نظرت تمارا إلى الأجهزة المحترقة.
— عندك تأمين؟
— لا.
— والزبائن؟
— أعوضهم.
— شلون؟
— أبيع السيارة إذا أحتاج.
— دعني أساعدك بإجراءات قرض المشروعات الصغيرة.
ضحك بمرارة.
— رجعنا للمساعدة.
— شتريدني أسوي؟ أوقف أتفرج حتى تثبت أنك ما تحتاجني؟
— أريدچ ما تحوليني ملفاً جديداً.
— وأريدك ما تعتبر الحب شفقة كلما جاءك من شخص متعلم.
ساد الصمت.
قالت:
— أنا لا أملك المال حتى أنقذ محلك، ولا أريد أن أديره عنك. أعرف برنامج قروض فقط. أعطيك المعلومة، وأنت تقرر. هذه مو وصاية.
أخرجت بطاقة من حقيبتها ووضعتها فوق الطاولة.
كانت تشبه البطاقة التي أعطته إياها يوم التقيا.
— إذا احتجتها، اتصل بهم.
مشت نحو الباب، ثم توقفت.
— قبل ما أمشي، عندي شي لازم أقوله. قبلت الوظيفة، لكنني طلبت أن يكون السفر يومين بالشهر، مو أسبوعاً. وافقوا.
سأل:
— غيرتي الشرط بسببي؟
— غيرته بسبب الحياة اللي كنت أعتقد أننا نبنيها. لكن القرار بقي قراري.
خرجت.
في المساء، جلس وائل وسط المحل المحترق، وأخرج من جيبه الفقرة القديمة التي كتبها عن الغسالات. كانت الورقة مطوية ومبقعة بالشحم.
قرأ:
«العطل لا يظهر دائماً من المكان الذي يخرج منه الصوت. مرات الصوت يكون نتيجة، والسبب يكون بعيداً. المصلح الجيد لا يبدل القطعة بسرعة. لازم يفهم لماذا احترقت، حتى لا تحترق الجديدة.»
فهم عندها ما قصدته تمارا يوم قالت إن الفقرة ليست عن الأجهزة وحدها.
لم يكن خلافهما بسبب الوظيفة. الوظيفة كانت الصوت.
أما العطل الحقيقي، فكان خوفه القديم من أن يراه شخص يحبه كما رآه زملاء المدرسة: رجلاً واقفاً أمام جملة لا يفهمها، والضحك ينتظر أول خطأ.
كان خوفها هي أيضاً بعيداً عن الوظيفة؛ أن تستيقظ بعد سنوات فتجد نفسها تبرر كل نجاح، وتختصر طموحها حتى لا يجرح الرجل الذي معها.
لم يكن أي منهما شريراً. لكن الحب لا يصلح الخوف إذا ظل كل شخص يحمي خوفه أكثر مما يحمي العلاقة.
في اليوم التالي، اتصل ببرنامج القروض بنفسه. قرأ الاستمارة، وطلب من الموظف شرح بند لم يفهمه. لم يقل: «أعرف». قال:
— هذه الفقرة صعبة عليّ. وضحها.
كانت الجملة بسيطة، لكنها احتاجت منه شجاعة أكبر من الاختبار كله.
حصل على قرض صغير، ووافق بعض الزبائن على تقسيط التعويض. ساعده أصحاب المحال المجاورة في الطلاء والتنظيف، وأصر كرّار على العمل من دون أجر شهرين، فرفض وائل واكتفى بتخفيض أجره مؤقتاً بموافقته.
بعد ثلاثة أسابيع، أعاد فتح المحل.
في المساء ذهب إلى مركز التعليم. كانت تمارا تنهي درساً جديداً لمجموعة من النساء. انتظرها عند الباب.
قال:
— قريت الفقرة.
عرفت فوراً أي فقرة يقصد.
— وفهمتها؟
— متأخر.
— المهم فهمتها.
— أصلحت المحل. بس مو جاي أحچي عن المحل.
انتظرت.
قال:
— أنا خفت منچ قبل لا تسوين الشي اللي خفت منه. وكل مرة ساعدتيني، جزء مني شاف المساعدة احترام، وجزء ثاني شافها دليل أني أقل. هذا مو ذنبچ، بس إذا ما عالجته راح يصير ذنبنا اثنيننا.
قالت:
— وأنا استخدمت الفهم كسلاح من غير ما أنتبه. بدل ما أقول إنني خائفة، شرحت لك خطأك كأنني أعرفك أكثر منك.
— نكدر نبدأ من جديد؟
— من أي مكان؟
أخرج الورقة الأولى التي كتب فيها اسمه خطأ. كانت تمارا قد أعادتها إليه عند انتهاء الدورة، وظل يحتفظ بها.
فتحها.
كتب تحت الاسم القديم اسمه مرة أخرى، بحروف واضحة:
«وائل أمين».
قال:
— من هنا. بس هذه المرة ما أنتظر منچ تصححين كلشي.
أخذت القلم وكتبت أسفل اسمه:
«تمارا جلال».
قالت:
— وأنا ما أتعامل وياك كأنك واجب لازم ينجح.
عادا إلى العلاقة ببطء. لم يتجاهلا المشكلة كأن اعتذاراً واحداً أنهى كل شيء. اتفقا على أن يسأل كل منهما قبل أن يفسر. إذا استخدمت تمارا كلمة لم يفهمها، يسأل بلا خجل. وإذا شعرت أن وائل يعترض على قرارها، تسأله إن كان يناقش الترتيب أم يرفض حقها.
تقدّم إلى أسرتها بعد شهرين.
في الجلسة، عاد مروان إلى السؤال نفسه:
— ما زلت أشوف الفارق كبيراً.
قال وائل:
— الفارق موجود. إذا تريدني أنكره حتى توافق، ما أقدر. تمارا تعرف أشياء أنا ما أعرفها، وأنا أعرف أشياء هي ما تعرفها. المشكلة مو بالفرق؛ المشكلة إذا واحد استخدم اللي يعرفه حتى يصغر الثاني.
سأله والدها:
— وإذا تطور عملها وصار سفرها أكثر؟
— نتفق على بيتنا، مو على إلغاء شغلها. وإذا صار عدنا أطفال، المسؤولية علينا اثنيننا. ما أگول إلها أنتِ أدرى لأنچ امرأة، ولا هي تقول لي أنتَ تدبر لأنك رجل.
قال مروان:
— الكلام سهل.
أجابه:
— صحيح. ولهذا ما أطلب منكم تصدقون الكلام وحده. اسألوا عني بالسوق، وشوفوا تعاملي بالدين والشغل. وأنا هم أسأل عنكم، لأن مو بس أنتم تختبروني.
رفعت تمارا رأسها نحوه، ولم تخفِ ابتسامتها.
وافق والدها بعد أسابيع، لا لأنه تخلص من كل مخاوفه، بل لأنه رأى أن وائل لا يتظاهر بما ليس فيه، ولا يطلب من ابنته أن تصغر كي تتساوى معه.
أقيم عقد القران في قاعة صغيرة تابعة للمحكمة. حضر أفراد العائلتين وعدد من طلاب دورة محو الأمية. جاءت المرأة المسنة التي كانت تجلس قرب وائل في الصف، وأحضرت له قلماً أزرق.
قالت:
— حتى لا توقع بقلم المحكمة وتنسى قلمنا.
حين وضع الموظف سجل العقد أمامه، شعر وائل بعودة الطفل القديم للحظة. الورقة رسمية، والعيون كثيرة، والقلم في يده.
أشار الموظف إلى المكان.
— وقّع هنا.
نظر وائل إلى تمارا.
لم تمد يدها لتريه كيف يكتب، ولم تهمس بالحروف، ولم تراقب القلم بخوف.
كانت تنتظر فقط.
كتب اسمه كاملاً.
لم يكن الخط جميلاً، لكنه كان ثابتاً.
ثم وقّعت تمارا إلى جانبه.
بعد الحفل، أعادت أمينة إليهما الورقة القديمة التي احتوت الاسمين: «واىل» في الأعلى، ثم «وائل أمين» و«تمارا جلال» في الأسفل.
قالت:
— احتفظوا بيها. هاي أول ورقة جمعتكم.
وضعتها تمارا في إطار صغير وعلقتها في بيتهما، لا لتذكر وائل بما كان يعجز عنه، بل لتذكرهما بأن الخطأ الأول لم يكن عيباً يجب إخفاؤه؛ كان نقطة البداية.
مرت سنوات.
كبر محل وائل، وصار مركزاً صغيراً لتدريب الشباب الذين تركوا المدرسة. كان يشترط على كل متدرب أن يكمل تعليمه المسائي، ويخصص ساعتين أسبوعياً للقراءة والحساب داخل الورشة.
أما تمارا فأصبحت مديرة لبرنامج التعليم المجتمعي. سافرت، وعادت، واختلفا حول المواعيد والمصاريف وتربية طفلتهما الأولى. لم يتحولا إلى زوجين مثاليين. كان وائل يصمت أحياناً حين يشعر بالنقص، وكانت تمارا تشرح أكثر مما ينبغي حين تخاف فقدان السيطرة.
لكن لديهما قاعدة معلقة قرب الإطار:
«اسأل قبل أن تفسر».
كتباها معاً بعد أول خلاف زوجي كبير.
في إحدى الأمسيات، عادت ابنتهما ديمة من المدرسة تحمل ورقة طلبت المعلمة أن يوقعها ولي الأمر. كان الموضوع يتعلق بموافقة الأهل على مشاركتها في مسابقة للقراءة.
أعطت الورقة إلى أمها تلقائياً.
قالت تمارا:
— خلي بابا يوقع.
ذهبت ديمة إلى وائل ومدت إليه الورقة.
قرأها كاملة، ثم سأل ابنته:
— تريدين تشاركين؟
— إي، بس أخاف أخسر.
— الخسارة مو إنچ ما تفوزين. الخسارة إذا خفتِ من الورقة قبل ما تبدين.
وقّع.
راقبته تمارا من المطبخ. وبعد أن خرجت ديمة، اقتربت من الإطار القديم.
قالت:
— تعرف شنو الغريب؟
— شنو؟
— أول يوم شفتك، ظنيت أن أكبر مشكلة عندك هي أنك ما تعرف تقرأ.
— وطلعت شنو؟
— أنك كنت تعرف تقرأ نظرات الناس أكثر من اللازم.
ابتسم.
— وأنتِ ظنيتِ أكبر مشكلة عندچ أن الناس ما يفهمون أهمية التعليم.
— وطلعت أحب أشرح حتى الأشياء اللي ما طلب أحد مني شرحها.
أشار إلى الورقة داخل الإطار.
— بعدچ تشوفين خطي القديم مضحك؟
— لا.
— كذابة.
ضحكت.
وقفا أمام الاسمين المكتوبين منذ سنوات. لم تعد الورقة شهادة على انتقال رجل من الأمية إلى القراءة فقط، بل على انتقال شخصين من الخوف إلى المشاركة؛ هو تعلم ألا يعتبر السؤال إهانة، وهي تعلمت ألا تجعل المعرفة سلطة.
مدّ وائل يده إلى الإطار وعدله قليلاً.
قالت تمارا:
— كان مستقيماً.
— صار أحسن.
— أنت دائماً تصلح الشي حتى لو ما كان عطلان.
— وأنت دائماً تعترضين قبل ما تشوفين النتيجة.
نظرت إلى الإطار، ثم قالت:
— فعلاً صار أحسن.
جلسا قرب النافذة. كانت ديمة في غرفتها تقرأ بصوت مرتفع استعداداً للمسابقة، تتعثر في بعض الكلمات ثم تعيدها من تلقاء نفسها.
أصغى وائل إليها.
في طفولته، كان الخطأ في القراءة يتبعه ضحك أو ضربة. أما ابنته فكانت تخطئ داخل بيت لا يعاقبها على المحاولة.
قال:
— إذا فازت، أجيب إلها مكتبة.
— وإذا ما فازت؟
فكر قليلاً.
— هم أجيب إلها مكتبة.
— ليش؟
— لأن الجائزة مو لازم تنتظر رأي اللجنة.
وضعت تمارا رأسها على كتفه.
بعد لحظات، جاءت ديمة تحمل دفترها.
— بابا، هاي الكلمة شنو؟
أخذ الدفتر. كانت الكلمة أطول مما توقع، فتوقف عندها. لاحظت تمارا تردده، لكنها لم تتدخل.
قسمها إلى مقاطع، وحاول قراءتها. أخطأ في المرة الأولى.
قالت ديمة:
— مو هيچ. المعلمة قرأتها بطريقة ثانية.
ضحك.
— زين، نقرأها سوا.
جلسا على الأرض، ووضع الدفتر بينهما. جاءت تمارا وجلست قبالتهما. بحثوا عن الكلمة في القاموس، واستمعوا إلى نطقها، ثم أعادوها ثلاثتهم بصوت واحد.
لم يشعر وائل بالخجل لأنه لم يعرفها.
ولم تشعر تمارا بأنها مطالبة بمعرفتها قبله.
كانت مجرد كلمة جديدة، أمام عائلة لا يخسر أحد فيها قيمته حين يقول: «لا أعرف».
وقبل النوم، مرت ديمة قرب الإطار وسألت:
— ليش اسم بابا مكتوب مرتين؟
قالت تمارا:
— لأن المرة الأولى كتبَه وهو خائف.
سألت:
— والمرة الثانية؟
نظر وائل إلى اسمه الصحيح، وإلى اسم تمارا تحته، ثم إلى توقيعه فوق ورقة المسابقة التي حملتها ابنته.
أجاب:
— المرة الثانية كتبته وهو يعرف أن الخطأ ما راح يطرده من المكان.
لم تفهم ديمة المعنى كله، لكنها هزت رأسها وذهبت إلى غرفتها.
أما تمارا فبقيت تنظر إليه.
قالت:
— لهذا احتفظت بالورقة؟
— لا.
— إذن لماذا؟
أخذ يدها ووضعها فوق الاسمين.
— لأنني يوم كتبت اسمي صح، كنت أظن أنني تعلمت القراءة.
سألته:
— وبعدين؟
ابتسم.
— بعدين عرفت أنني كنت أتعلم شلون أبقى.

تعليقات
إرسال تعليق