الحساب الناقص
في صباح اليوم الذي عادت فيه جُمانة إلى بلدة السواقي، كان رجال البلدية ينزعون اسم أبيها عن آخر مكان بقي معلقاً عليه.
وقفت قرب بوابة الجمعية الزراعية القديمة، تراقب
عاملاً يصعد سلماً قصيراً ويحاول اقتلاع لوحة نحاسية صغيرة ثبتت قبل ثلاثين عاماً
على جدار المخزن. كانت اللوحة تحمل أسماء أعضاء اللجنة التي أشرفت على بناء
المكان، وفي السطر الأخير ظهر اسم أبيها: «قُدامة راضي — مسؤول الحسابات».
لم يُطلب من العامل إزالة الاسم وحده. كان ينزع
اللوحة كلها لأن المبنى سيباع في مزاد علني مع الأراضي والمخازن والآلات المتوقفة،
لكن جُمانة شعرت بأن المطرقة لا تضرب مسامير النحاس، بل تمحو آخر دليل على أن
أباها عاش هنا يوماً بوصفه موظفاً يحترمه الناس، لا لصاً تتناقل البلدة حكايته.
سقط المسمار الأول، فمالت اللوحة.
قال الرجل الواقف إلى جوارها:
— ابتعدي قليلاً، قد تقع عليك.
تراجعت خطوة. انفصلت اللوحة عن الجدار وسقطت فوق
التراب، فارتفع غبار خفيف غطى الأسماء. قلبها العامل بقدمه، ثم حملها نحو شاحنة
البلدية.
لم يعرف أن المرأة التي تقف أمامه هي ابنة الاسم
الأخير.
وربما عرف ولم يشأ أن يحرجها.
كانت جُمانة في السادسة والثلاثين، تعمل مدققة
مالية في دائرة تصفية المؤسسات المتعثرة ببغداد. أمضت اثني عشر عاماً بين الدفاتر
والحسابات حتى صارت قادرة على اكتشاف الرقم الموضوع في غير مكانه كما يكتشف
الموسيقي نغمة فاسدة وسط لحن طويل. ولم تطلب يوماً تكليفاً في السواقي، بل كانت
تتجنب المرور قربها حتى في الرحلات العائلية.
لكن رئيس القسم وضع ملف الجمعية أمامها قبل أسبوع
وقال:
— أنتِ من المنطقة، وستفهمين سجلاتها أسرع من غيرك.
رأت اسم الجمعية فوق الغلاف وشعرت بأن الغرفة
تضيق.
كانت «جمعية السواقي للإنتاج والتسويق» المؤسسة
التي عمل فيها أبوها، والمكان الذي اتُّهم بسرقة أمواله قبل ثمانية عشر عاماً. دخل
السجن بسببها، وخرج منه رجلاً لا يشبه الشخص الذي دخل. ثم مات بعد ثلاث سنوات،
وبقي الحكم ملتصقاً باسمه حتى صار أكثر حضوراً من حياته كلها.
حاولت جُمانة الاعتذار عن المهمة، لكن رئيس القسم
قال إن التصفية يجب أن تنجز خلال شهرين، وإن الوزارة تريد موظفاً لا تربطه مصالح
برجال البلدة.
لم تخبره أن أسوأ علاقة ممكنة تربطها بالمكان.
كانت تعرف أنها تستطيع تقديم طلب رسمي للتنحي
بسبب صلة القرابة، لكنها لم تفعل. أقنعت نفسها بأن القضية أُغلقت منذ سنوات، وأن
مهمتها تقتصر على حصر الممتلكات والديون تمهيداً للبيع. لن تعيد التحقيق، ولن تنبش
الماضي، ولن تبحث عن براءة مات أبوها قبل أن يطالب بها.
إلا أنها، في صباحها الأول، وقفت تراقب اسمه وهو
يُلقى داخل شاحنة الخردة.
أخرجت بطاقة عملها ودخلت المبنى.
رافقها موظف البلدية إلى مكتب المدير القديم.
كانت النوافذ مغلقة منذ سنوات، وتراكم الغبار فوق الأثاث حتى اختفت ألوانه. على
الجدار صورة باهتة لحقول القمح، وتحتها خزانة حديدية فُتح بابها بالقوة في زمن
سابق. بقي داخلها عدد من السجلات الممزقة، ومجموعة مفاتيح لا يعرف أحد أبوابها.
قال الموظف:
— نقلنا الملفات المهمة إلى غرفة الأرشيف. البقية
تالفة.
— من قرر ما هو مهم؟
— لجنة سابقة.
— أين محضرها؟
رفع كتفيه.
— ربما في الأرشيف أيضاً.
فتحت جُمانة النافذة، فدخل ضوء قوي كشف طبقات
الغبار في الهواء. من مكانها استطاعت رؤية الساحة الخلفية التي كانت تمتلئ
بالشاحنات والعمال عندما كانت طفلة. تذكرت أباها يرفعها إلى مقعد جرار زراعي،
ويخبرها أن الأرقام تشبه البذور؛ إذا وضع الإنسان كل رقم في مكانه الصحيح، عرف في
نهاية الموسم أين ذهبت الحبوب.
كانت في السابعة آنذاك، ولم تفهم شيئاً، لكنها
أحبت الطريقة التي يرتب بها الأوراق. كان يحمل في جيبه آلة حاسبة صغيرة، سوداء ذات
أزرار رمادية، وينقر عليها بإبهامه بينما يمشي. وإذا سألته عن مبلغ، لم يجب قبل أن
يحسبه، حتى لو كان يعرف النتيجة.
في الليلة التي اعتقلوه فيها، أخذ رجال الشرطة
الأوراق والآلة الحاسبة.
أعادوا الآلة بعد المحاكمة، ولم يعيدوا الرجل كما
كان.
دخل موظف البلدية يحمل صندوقاً.
— هذه ملفات العاملين. أين أضعها؟
أشارت إلى الطاولة.
بدأت جُمانة عملها.
كان المطلوب حصر ممتلكات الجمعية: ثلاثة مخازن،
بناية إدارية، أربع عشرة آلة لتعبئة الحبوب، ميزان شاحنات، ست مركبات لم يبقَ منها
إلا الهيكل، وأرض مساحتها سبعة وأربعون دونماً. كما كان عليها مراجعة الديون
القديمة، ومعرفة ما إذا كانت هناك حقوق لموظفين أو مزارعين قبل بيع الأصول.
بدت المهمة إدارية مملة. وهذا ما أرادته.
في اليوم الثالث، وجدت الحساب الناقص.
كان في سجل رواتب يعود إلى العام الأخير قبل
انهيار الجمعية. يحتوي السجل على أسماء ثلاثة وثمانين عاملاً، وأجورهم،
والاستقطاعات، والمبالغ الصافية. جمعت الأرقام للتأكد من مطابقتها مع الرصيد
المصروف، فظهر فرق مقداره ألف دينار واحد.
أعادت الجمع.
الفرق نفسه.
ظنت أن أحد الموظفين أخطأ في كتابة أجر عامل،
فراجعت الأسماء واحداً واحداً. كانت المبالغ متطابقة، لكن المجموع النهائي أكبر
بألف دينار مما يجب.
لم تكن ألف دينار ذات قيمة، حتى بمقاييس ذلك
الزمن. ربما كتب المحاسب المجموع بسرعة، أو سقطت خانة في سجل آخر. ومع ذلك، وضعت
جُمانة علامة بقلم الرصاص قرب الرقم.
انتقلت إلى الشهر التالي.
ظهر الفرق نفسه: ألف دينار.
وفي الشهر الثالث أيضاً.
لم يكن ذلك خطأ عشوائياً. الأخطاء العشوائية
تتغير، أما الخطأ الذي يحافظ على قيمته في ثلاثة سجلات متتالية فهو إشارة، أو
طريقة حساب متعمدة.
قلبت الصفحة الأخيرة.
وجدت أسفل المجموع توقيع أبيها.
بقيت تحدق فيه طويلاً. كانت تعرف شكل توقيعه، تلك
القاف التي يرسمها كدائرة مفتوحة، والدال التي يمدها حتى تلامس الاسم. لا يبدو
مزوراً.
أغلقت السجل وابتعدت عن الطاولة.
قالت لنفسها إن الفرق لا يعني شيئاً. أبوها ربما
استخدم الألف لتسوية كسر في الأجور، أو تركها إشارة محاسبية داخلية. لا علاقة لها
بقضية الاختلاس التي بلغت، بحسب الحكم، أربعمئة وستين مليون دينار.
لكنها حين عادت إلى المنزل الذي تقيم فيه أمها،
حملت السجل معها.
كان البيت في الطرف الشرقي من البلدة، وقد تغير
أقل مما توقعت. أعادت أمها، جلنار، طلاء الجدران، واستبدلت الأثاث، لكن ساعة
الحائط القديمة بقيت معلقة في الممر. كانت تتأخر سبع دقائق دائماً، لأن قُدامة
حاول إصلاحها مرة وفشل، ثم رفض تغييرها قائلاً إن من يعرف التأخير يستطيع أن يعيش
معه.
استقبلت جلنار ابنتها بطبق طعام، وتجنبت سؤالها
عن الجمعية. كانت في الرابعة والستين، نحيلة، شديدة العناية بمظهرها، كأن النظام
الخارجي يعوض الفوضى التي مرت بحياتها.
بعد العشاء، وضعت جُمانة السجل فوق الطاولة.
تغير وجه أمها.
— لماذا أحضرتِ هذا إلى البيت؟
— لأنني أراجعه.
— عملك يبقى في المكتب.
— هل تتذكرين شيئاً عن فروق الرواتب؟
— بعد كل هذه السنوات؟
— كان أبي يضيف ألف دينار إلى مجموع كل شهر.
جلست جلنار وراحت تطوي طرف المفرش.
— ربما بدل نقل.
— البدل يظهر في خانة مستقلة.
— إذن خطأ.
— تكرر ثلاثة أشهر.
رفعت الأم عينيها.
— جُمانة، أنتِ ذهبتِ لتصفية الجمعية، لا لإعادة
المحاكمة.
— لم أقل إنني سأعيدها.
— لكنك أحضرتِ سجل أبيك إلى المائدة في أول أسبوع.
صمتت جُمانة.
قالت أمها:
— عشنا تلك القضية مرة. لا أستطيع أن أعيشها ثانية.
— أنا لم أعشها. كنتم تمنعونني من حضور الجلسات، ثم
أرسلتموني إلى بيت خالتي، وبعد الحكم أخبرتموني أن أبي ارتكب خطأ وسيعود. لم يقل
أحد ما الذي حدث فعلاً.
— حدث ما كتبته المحكمة.
— وهل صدقتِ أنه سرق؟
توقفت أصابع جلنار عن الحركة.
— كان أبوك رجلاً طيباً.
— هذا ليس جواباً.
— الطيبة لا تمنع الخطأ.
— هل سرق أم لا؟
نهضت الأم وحملت الصحون.
— لا تفتحي باباً أغلقناه بصعوبة.
راقبتها جُمانة وهي تدخل المطبخ. لم يكن في
كلامها دفاع عن زوجها، ولا اتهام واضح. كان الخوف وحده حاضراً، كما لو أن الأشخاص
الذين تسببوا بالقضية ما زالوا قادرين على سماع الحديث من خلف الجدران.
في الصباح التالي، طلبت جُمانة ملف المحاكمة من
أرشيف المحكمة. احتاجت إلى توقيعين وكتاب رسمي، ثم انتظرت يومين حتى جاءها صندوق
كرتوني مربوط بخيط.
احتوى الملف على تقرير لجنة التدقيق، وأقوال
الشهود، وصور المستندات، والحكم النهائي.
بدأت القراءة من البداية.
قبل ثمانية عشر عاماً، تسلمت الجمعية قرضاً
حكومياً كبيراً لشراء معدات ري وتوسيع مخازن الحبوب. أظهرت الحسابات سحب أربعمئة
وستين مليون دينار خلال أربعة أشهر، من دون وجود معدات تقابلها. كانت أوامر الصرف
تحمل توقيع رئيس الجمعية، وجيه الراوي، وتوقيع مسؤول الحسابات قُدامة راضي.
حين بدأت لجنة التفتيش عملها، اختفى جزء من
السجلات الأصلية. وبعد أسبوع، عثرت الشرطة في مخزن صغير استأجره أبوها على صندوق
يحتوي ستة وأربعين مليون دينار نقداً.
اعترف قُدامة بأنه سحب الأموال، وقال إنه تصرف
وحده مستخدماً توقيعات حصل عليها مسبقاً من الرئيس. لم يذكر أين ذهبت بقية المبلغ،
ولم يتهم أحداً. حكم عليه بالسجن، وصودرت أملاكه، وأُغلقت القضية لعدم كفاية
الأدلة ضد الآخرين.
أما وجيه الراوي، فاستقال من رئاسة الجمعية بعد
الفضيحة، ثم عاد إلى الحياة العامة بعد سنوات. أصبح تاجراً كبيراً، وبنى مدرسة
أهلية ومركزاً صحياً، وتصدرت صوره المناسبات الخيرية. وفي الأشهر الأخيرة أعلن
عزمه الترشح لعضوية مجلس المحافظة.
كانت جُمانة تتذكره من طفولتها. رجل طويل يزور
بيتهم في الأعياد، ويحمل لها الحلوى. بعد اعتقال أبيها لم يأتِ مرة واحدة.
قرأت اعتراف قُدامة.
كان قصيراً ومباشراً:
«أقر بأنني سحبت المبالغ المذكورة من حساب
الجمعية، وتصرفت بها لأسباب خاصة، ولم يشاركني أحد في ذلك».
أسفل الاعتراف توقيعه.
لم يكن مزوراً.
وجدت في الملف صورة للصندوق المضبوط. كانت
الأوراق النقدية مرتبة في رزم، وفوقها قصاصة كتب عليها بخط أبيها: «حقوق لا تُؤجل».
توقفت عند العبارة.
لم تذكر المحكمة معناها.
اتصلت بموظف قديم في الجمعية يدعى نبهان، كان
أمين الصندوق أيام القضية. عرفت أنه يملك متجراً صغيراً للأدوات الزراعية قرب
السوق. ذهبت إليه بعد انتهاء الدوام.
حين قدمت نفسها، سحب الرجل كرسياً وأغلق باب
المتجر.
— تشبهين أباك عند الغضب، قال.
— لست غاضبة.
— لهذا قلت عند الغضب.
كان في أواخر الستين، وبترت ساقه اليسرى بسبب
المرض. جلس خلف طاولة عالية، وعيناه تتحركان نحو الشارع كلما مر شخص قرب الباب.
وضعت أمامه صورة السجل.
— لماذا أضاف أبي ألف دينار إلى مجموع الرواتب؟
قرأ الأرقام، ثم ابتسم للمرة الأولى.
— كنت أعرف أنك ستصلين إليها إذا عملتِ في الحسابات.
— ماذا تعني؟
— قُدامة كان يقول إن الحساب الصحيح لا يحتاج إلى
ذاكرة صاحبه. يترك دليله داخله.
— ما معنى الألف؟
— ليس مبلغاً. إنها علامة.
— علامة على ماذا؟
فتح نبهان درجاً وأخرج دفتراً قديماً. قلب
الصفحات حتى وصل إلى قائمة أسماء.
— في الأشهر الثلاثة الأخيرة، لم تدفع الجمعية
رواتب العمال. كانت الأموال تصل من الحكومة، ثم يأمر وجيه بتحويلها إلى حساب مشروع
المعدات. قُدامة رفض، لكن التحويلات تمت بتوقيعه.
— كيف تمت إذا رفض؟
— كان وجيه يطلب منا توقيع أوراق فارغة بحجة تسريع
المعاملات. كل الموظفين فعلوا ذلك، حتى أبوك.
— هذا إهمال.
— نعم. ولم ينكره.
أشار إلى الألف الزائدة.
— عندما أجبره وجيه على تسجيل الرواتب كأنها دُفعت،
أضاف قُدامة ألفاً إلى المجموع. كان يقول إن الرقم الذي لا يجد اسماً يحمله يثبت
أن الكشف كاذب.
— لماذا لم يقل ذلك للمحكمة؟
أغلق نبهان الدفتر.
— لأنه اختار الاعتراف.
— لماذا؟
لم يجب.
— هل كانت الستة والأربعون مليوناً رواتب العمال؟
رفع عينيه إليها.
— اسألي العمال.
— أسألك أنت.
— وأنا أقول: اسأليهم. ستفهمين لماذا صمت.
خرجت جُمانة من المتجر وهي أكثر ارتباكاً. إذا
كانت الأموال المضبوطة رواتب، فلماذا وُجدت في مخزن مستأجر باسم أبيها؟ ولماذا لم
يوزعها؟ وأين ذهبت الأربعمئة وأربعة عشر مليوناً المتبقية؟
راجعت في اليوم التالي كشوف العمال. كان عددهم
ثلاثة وثمانين. إذا وزعت الستة والأربعون مليوناً عليهم، يحصل كل واحد على مبلغ
قريب من أجر ثلاثة أشهر، مع فروق بحسب الدرجة.
قارنت المبالغ بالصافي المستحق.
تطابقت تقريباً.
لم تكن الأموال المسروقة مخبأة لأبيها. كانت
رواتب العمال التي سُجلت زوراً على أنها دُفعت.
لكن وجودها في المخزن بقي بلا تفسير.
بحثت جُمانة عن عناوين العمال. توفي بعضهم، وغادر
آخرون البلدة، لكن أربعين اسماً ظلوا فيها. بدأت زيارتهم واحداً واحداً، متذرعة
بضرورة حصر الحقوق القديمة قبل التصفية.
جاءت الإجابات متشابهة بصورة تثير الشك.
قالوا إنهم لم يحصلوا على رواتب الأشهر الأخيرة.
بعضهم تذكر أن قُدامة وعدهم بالدفع قبل العيد، ثم اعتُقل. وبعضهم رفض الحديث. ورجل
يدعى طرخان أغلق الباب في وجهها بعد أن قال:
— أبوك أخذ المال وانتهى الأمر.
في الزيارة الحادية عشرة، جلست أمام أرملة عامل
توفي قبل سنوات. كانت المرأة تحتفظ بوثائق زوجها داخل علبة بسكويت معدنية. أخرجت
منها إيصالاً قديماً يحمل توقيع قُدامة.
كتب فيه: «استلم العامل مبلغه المستحق كاملاً».
قالت جُمانة:
— هل حصل زوجك على المال؟
— نعم.
— متى؟
— قبل اعتقال أبيك بيوم.
شعرت جُمانة بقلبها يتسارع.
— هل جاء إلى الجمعية؟
— لا. جاء أبوك إلى بيتنا ليلاً. كان زوجي مريضاً،
فأعطاني المبلغ وطلب مني ألا أتحدث حتى يستلم بقية العمال.
— لماذا السرية؟
— قال إن الإدارة تحاول منع الدفع.
— هل احتفظ زوجك بالإيصال؟
— أبوك أعطانا نسختين. أخذ واحدة وترك الأخرى.
طلبت جُمانة الإذن بتصويرها.
كان المبلغ مطابقاً تماماً لراتب ثلاثة أشهر.
تابعت زيارة العمال، لكنها غيرت سؤالها. لم تعد
تسأل إن كانوا حصلوا على الراتب رسمياً، بل إن كان قُدامة زارهم قبل اعتقاله.
اعترف سبعة عشر شخصاً بأنه دفع لهم. واحتفظ تسعة
بإيصالات. قال بعضهم إنهم أنكروا ذلك أثناء التحقيق لأن رجالاً تابعين لوجيه
أخبروهم أن كل من يعترف باستلام المال سيُتهم بالمشاركة في السرقة، وسيُطلب منه
إعادة المبلغ.
فهمت جزءاً من صمت أبيها.
وزع قُدامة الرواتب خارج النظام بعد أن سُجلت
زوراً على أنها دُفعت. كان ذلك مخالفاً للقانون، لكنه لم يسرقها لنفسه. وعندما
عثرت الشرطة على بقية المال قبل إكمال التوزيع، كان يستطيع كشف أسماء المستلمين،
إلا أن ذلك كان سيعرضهم للاتهام.
لكن القضية أكبر من الرواتب. الحكم لم يبنَ على
ستة وأربعين مليوناً فقط، بل على أربعمئة وستين مليوناً.
عادت جُمانة إلى تقارير شراء المعدات. وجدت
عقوداً مع شركة اسمها «حقول المشرق»، باعت الجمعية مضخات مياه وآلات تعبئة. وفق
الأوراق، سُددت القيمة كاملة، لكن لجنة التفتيش لم تجد المعدات.
بحثت عن الشركة في سجلات التجارة القديمة. كانت
مسجلة باسم رجل يدعى سنان الطائي، شقيق زوجة وجيه الراوي.
أُغلقت بعد أشهر من القضية.
طلبت كشوف الحساب المصرفي للجمعية والشركة.
أخبرها المصرف أن السجلات القديمة نُقلت إلى مخزن مركزي، وقد يستغرق استخراجها
أسابيع. أرسلت طلباً رسمياً عاجلاً بحجة التصفية.
في أثناء الانتظار، زارها وجيه الراوي.
وصل إلى الجمعية في سيارة حديثة، يرافقه سائق
وشاب يحمل حقيبة. كان قد تجاوز السبعين، لكنه ظل معتدل القامة، حريصاً على صبغ
شعره وارتداء بدلة لا تناسب غبار المخازن.
دخل مكتبها من دون استئذان.
— ابنة قُدامة، قال مبتسماً. كبرتِ وصرتِ تشبهين
أمك.
لم تنهض لاستقباله.
— اسمي مكتوب على الباب.
نظر إلى الورقة المثبتة فوق المكتب.
— جُمانة. بالطبع. كنت أحمل لك الحلوى حين كنت
صغيرة.
— أتذكر.
جلس ووضع عصاه بين ركبتيه.
— سمعت أنك تعملين على تصفية الجمعية. مؤسف ما وصلت
إليه. كانت مشروعاً كبيراً، لكن الفساد يقتل أفضل المؤسسات.
— تعرف ذلك أكثر من غيرك.
بقيت ابتسامته في مكانها، لكن عينيه بردتا.
— أفهم ما تعنين. والدك أخطأ، ودفع الثمن. لا ينبغي
أن تحمل البنت عار أبيها.
— لم أقل إنني أحمله.
— الناس قساة. وربما عملك هنا أعاد كلاماً قديماً
لا فائدة منه.
— عملي يتطلب مراجعة السجلات القديمة.
— راجعيها، لكن لا تسمحي للأوراق الناقصة بأن تصنع
أوهاماً.
فتح الشاب الحقيبة ووضع ملفاً أمامها.
— ما هذا؟
قال وجيه:
— عرض لشراء أرض الجمعية بعد طرحها في المزاد. أريد
إنشاء معهد زراعي ومركز تدريب. المشروع سيخدم البلدة ويوفر وظائف.
— المزاد لم يُعلن بعد.
— لهذا جئت مبكراً. كي تكون الإجراءات واضحة.
فتحت الملف. كان السعر المقترح أقل كثيراً من
التقييم الأولي.
— هذا لا يساوي نصف قيمة الأرض.
— المباني متهالكة والآلات خردة.
— الأرض وحدها أعلى.
ابتسم.
— الأسعار تتغير حسب من يشتري. وإذا تعاونتِ،
يمكننا ضمان أن تحصل الوزارة على عرض مناسب، وتحصل البلدة على مشروع، وتحصلين أنت
على نهاية مريحة لقصة عائلتك.
أغلقت الملف.
— ما معنى النهاية المريحة؟
— لدي علاقات قانونية. نستطيع تقديم طلب لإعادة
الاعتبار لوالدك بعد وفاته، وشرح أنه تحمل المسؤولية تحت ضغط ظروف إدارية. لن
نبرئه تماماً، لكن اسمه سيُذكر بصورة أفضل.
— مقابل بيعك الأرض بأقل من قيمتها؟
— لم أقل ذلك.
— قلته بطريقة أطول.
نهض وجيه.
— والدك كان رجلاً عاطفياً. ظن أن النوايا الحسنة
تصلح بديلاً عن القانون، فانتهى وحيداً. أنت تبدين أكثر ذكاءً.
— هل هذا نصيحة أم تهديد؟
— مجرد ذكرى.
توجه إلى الباب، ثم التفت.
— اسألي أمك قبل أن تفتحي الملفات كلها. هي تعرف
ثمن الحقيقة.
غادر.
عادت جُمانة إلى البيت قبل الغروب. وجدت أمها
تسقي النباتات في الفناء.
قالت مباشرة:
— وجيه زارني.
توقفت جلنار عن السقي.
— ماذا أراد؟
— شراء الأرض. وقال إن أسألك عن ثمن الحقيقة.
أغلقت الأم صنبور الماء.
— ابتعدي عنه.
— لماذا؟
— لأنه لا ينسى من يقف في طريقه.
— هل هدد أبي؟
لم تجب.
— أمي، إذا بقيتِ صامتة، فأنت تساعدينه حتى الآن.
دخلت جلنار المنزل، فتبعَتها جُمانة. أخرجت الأم
مفتاحاً صغيراً من صندوق الخياطة، وفتحت خزانة قديمة في غرفة النوم. من الرف
الأعلى أنزلت كيساً قماشياً.
كان بداخله آلة أبيها الحاسبة.
وضعتها أمام ابنتها.
— أعادوها بعد المحاكمة.
مررت جُمانة إصبعها فوق الأزرار. كان البلاستيك
مخدوشاً عند الحواف، والشاشة مطفأة.
قالت:
— ما علاقتها بوجيه؟
— في الليلة السابقة لاعتقال أبيك، جاء وجيه إلى
هنا. جلس في هذه الغرفة، وقال إن لجنة التفتيش ستتهم الإدارة كلها. أخبر قُدامة أن
السجلات تحمل توقيعاته، وأن العمال الذين أخذوا المال سيُعتقلون معه.
— ماذا أراد منه؟
— أن يقول إنه تصرف وحده.
— ووافق؟
— رفض أولاً.
جلست جلنار، وقد بدأت يداها ترتجفان.
— بعد خروج وجيه بساعة، اختفيتِ أنت.
حدقت جُمانة فيها.
— ماذا تعنين؟
— كنتِ في العاشرة. خرجتِ من المدرسة ولم تعودي.
بحثنا في كل مكان. بعد ساعتين اتصل رجل وقال إنك بخير، وإنك ستعودين إذا تعاون
أبوك.
لم تتذكر جُمانة شيئاً من ذلك.
— لم يخبرني أحد.
— أعادوك مساءً في سيارة قرب بيت خالتك. قلتِ إن
رجلاً أخبرك أن أباك أرسله ليأخذك. اشترى لك عصيراً، وأبقاك في غرفة فيها تلفاز.
وضعت جُمانة يدها على رأسها، محاولة استعادة
اليوم. كانت تتذكر عصيراً بطعم البرتقال، وغرفة لا نوافذ لها، لكنها اعتقدت دائماً
أنها ذكرى من زيارة عائلية.
قالت أمها:
— بعد عودتك، جلس قُدامة طوال الليل أمام الآلة. في
الصباح ذهب إلى الشرطة واعترف.
— لماذا لم يبلغ عن خطفي؟
— لأن الرجل قال إن المرة التالية لن تنتهي بعودتك.
— وهل كان وجيه؟
— لم يقل اسمه، لكنه لم يحتج إلى ذلك.
— لماذا بقيتِ صامتة بعد موته؟
صرخت جلنار:
— لأنك بقيتِ حية!
ساد الصمت.
تابعت الأم بصوت أخفض:
— دخل أبوك السجن، وبقينا وحدنا. كانوا يراقبون
البيت. كلما حاول محامٍ الاقتراب من القضية، يتراجع. وبعد خروجه طلبت منه أن نغادر
البلدة. قال إنه يريد جمع الأدلة أولاً. ثم مات قبل أن يفعل.
— قالوا إن قلبه توقف.
— توقف قلبه فعلاً. لكنه كان يعمل ليلاً في مخزن،
ويقضي النهار يزور العمال ويبحث عن الأوراق. لم يعد يأكل جيداً، ولم يكن ينام. لم
يقتله أحد بيده، لكنهم تركوه يركض خلف اسمه حتى سقط.
دفعت الآلة الحاسبة نحو جُمانة.
— قبل موته قال لي: إذا عادت ابنتنا إلى الحساب
يوماً، أعطيها هذه. خفت أن أفعل.
فحصت جُمانة الآلة. أزالت غطاء البطارية، فوجدت
بطارية قديمة متآكلة. استبدلتها بأخرى، لكن الشاشة لم تعمل.
أخذتها في اليوم التالي إلى محل إصلاح
إلكترونيات. قال الفني إن اللوحة الداخلية تعرضت للرطوبة، وإن إصلاحها قد يتلف
الذاكرة. سألته إن كانت الآلات القديمة تخزن شيئاً بعد انقطاع الطاقة، فضحك.
— تخزن آخر عملية أحياناً، لا أكثر.
— أصلحها من دون إعادة ضبط.
بعد ساعتين اتصل بها.
عندما ضغط زر التشغيل، ظهرت على الشاشة سلسلة
أرقام:
أربعمئة وأربعة عشر مليوناً.
كان هذا بالضبط الفرق بين المبلغ المنسوب إلى
أبيها والستة والأربعين مليوناً التي تمثل الرواتب.
ضغطت زر الجمع، فظهر رقم آخر، ثم رمز خطأ. لم تكن
الآلة قادرة على حفظ قائمة عمليات طويلة، لكن الرقم وحده كان رسالة واضحة: أبوها
أراد منها أن تبحث عن الأربعمئة وأربعة عشر مليوناً، لا عن الرواتب.
وصلت كشوف المصرف بعد أربعة أيام.
كانت بعض الصفحات غير مقروءة، لكن الحوالات
الأساسية ظهرت. حُولت أربعمئة وأربعة عشر مليون دينار من حساب الجمعية إلى شركة
حقول المشرق على ثلاث دفعات. وبعد كل حوالة، انتقل جزء من المبلغ إلى حسابين
شخصيين.
الأول يعود إلى سنان الطائي، مالك الشركة.
والثاني إلى وجيه الراوي.
لم يختلس أبوها هذا المبلغ. الأموال دخلت حساب
وجيه مباشرة.
غير أن الحوالات تحمل توقيع قُدامة بالموافقة.
أرسلت جُمانة النسخ إلى خبير خطوط معتمد، مع
نماذج من توقيعات أبيها. جاء التقرير بعد أسبوع: التوقيعات صحيحة، لكنها وُضعت على
أوراق مختلفة ثم نُقلت طباعياً إلى أوامر التحويل.
كانت طريقة بدائية، لكن الأوراق الأصلية اختفت،
والمحكمة اعتمدت على نسخ مصورة. لم ينتبه الخبير الأول إلى اختلاف كثافة الحبر
وحدود القص، أو ربما انتبه ولم يكتب.
بحثت جُمانة عن خبير القضية القديمة. توفي قبل
سنوات. أما رئيس لجنة التدقيق، فكان حياً ويقيم في مدينة أخرى. اتصلت به وعرّفت
بنفسها.
أغلق الهاتف.
عاودت الاتصال في اليوم التالي، فلم يجب. أرسلت
إليه نسخة من تقرير الخبير الجديد، وكتبت: «لست أبحث عن فضيحة. أريد أن أعرف لماذا
لم يظهر هذا في تقريركم».
اتصل مساءً.
كان صوته متعباً.
— لأن النسخ التي فحصناها لم تكن هذه.
— ماذا كانت؟
— أوامر صرف أصلية تحمل توقيع أبيك.
— وهل رأيته يوقعها؟
— لا.
— أين الأصول؟
— أخذها ممثل عن الوزارة بعد انتهاء الفحص.
— من؟
— لا أتذكر.
— حاول.
صمت الرجل طويلاً.
— كان شاباً يعمل في مكتب وكيل الوزارة. اسمه صفوان
الراوي.
شقيق وجيه الأصغر.
— لماذا لم تذكروا تسليم الأصول في المحضر؟
— كنا نظن أنها ستُرفق بالقضية.
— لكنها لم تُرفق.
— أعرف.
— وصمتم ثمانية عشر عاماً؟
— بعد الحكم نُقلت إلى وظيفة أخرى. فهمت الرسالة.
— وأبي دخل السجن.
قال الرجل:
— كل شخص يخبر نفسه أنه لم يكن يستطيع فعل شيء. بعد
سنوات يصبح العذر جزءاً من حياته، فيخاف خسارته أكثر من خوفه من الحقيقة.
طلبت منه إفادة رسمية. رفض في البداية، ثم وافق
بشرط أن ترسل إليه الأسئلة مكتوبة.
في تلك الليلة، كُسرت نافذة مكتب الجمعية.
لم يُسرق الحاسوب ولا الأثاث. اختفت فقط ثلاثة
سجلات رواتب ونسخة ملف المحاكمة التي تركتها في الدرج.
كانت جُمانة قد صورت كل الصفحات وحفظتها في أكثر
من مكان، لكن من دخل لم يعرف ذلك.
اتصلت بالشرطة وقدمت بلاغاً. قال الضابط إن
المبنى مهجور، وربما دخل إليه لصوص يبحثون عن معدن أو أوراق يمكن بيعها.
سألته:
— لماذا يأخذ اللص سجل رواتب عمره ثمانية عشر عاماً
ويترك شاشة الحاسوب؟
كتب ملاحظتها من دون تعليق.
في اليوم التالي، أصدرت دائرتها أمراً بإيقاف
إجراءات المزاد لحين استكمال مراجعة الديون. أغضب القرار البلدية والمستثمرين،
وتلقى رئيس قسمها اتصالاً من مكتب المحافظة. استدعاها إلى بغداد.
وضع تقريرها أمامه.
— هل تعملين على التصفية أم على تبرئة والدك؟
— الاثنان تداخلا لأن الحكم القديم أثر في أصول
الجمعية وحقوق العمال.
— لديك تضارب مصالح.
— لهذا سجلت كل إجراء وأرسلته إلى لجنة مستقلة.
— وجيه الراوي قدم شكوى يتهمك فيها باستغلال
الوظيفة للانتقام.
— هل أرفق معها عرضه لشراء الأرض بنصف قيمتها؟
رفع رئيس القسم عينيه.
— هل لديك دليل؟
وضعت الملف أمامه.
قرأ العرض، ثم قال:
— لماذا لم تبلغيني بزيارته فوراً؟
— كنت أجمع المستندات.
— هذا خطأ.
— أعرف.
كانت تلك أول مرة تعترف فيها بخطئها بسهولة.
تعلمت من قصة أبيها أن النية الحسنة لا تمحو مخالفة الإجراء. إذا أرادت كشف
الحقيقة، فعليها ألا تمنح خصومها ثغرة قانونية.
قال رئيس القسم:
— سأطلب تشكيل لجنة جديدة، وستُسحب منك صلاحية
اتخاذ القرار منفردة. لكنك ستبقين عضواً لأنك بدأت التدقيق.
— موافقة.
— وقد تُفتح قضية والدك، بكل ما فيها. قد يظهر ما
لا يعجبك.
— لا أريد قصة تعجبني. أريد الحساب كاملاً.
عادت إلى السواقي ومعها موظفان من الوزارة وخبير
قانوني. خُتم الأرشيف، وثُبتت كاميرات عند المداخل، وبدأت مراجعة شاملة.
انتشر الخبر في البلدة.
انقسم الناس بسرعة. فريق قال إن ابنة قُدامة
تحاول غسل اسم أبيها قبل بيع الجمعية، وفريق رأى أن وجيه جمع ثروته من أموال
المزارعين. أما العمال القدامى، فظل معظمهم صامتاً.
قررت جُمانة عقد اجتماع مفتوح لهم في قاعة
المدرسة.
حضر سبعة وعشرون عاملاً وأبناء خمسة عشر ممن
توفوا. جلست أمامهم ومعها الإيصالات التي جمعتها.
قالت:
— هذه المستندات تثبت أن أبي دفع رواتب لعدد منكم
خارج النظام. من استلم ولم يتحدث في التحقيق، أحتاج إلى إفادته الآن.
وقف طرخان، الرجل الذي أغلق الباب في وجهها.
— ولماذا نتكلم؟ كي تطلبوا منا إعادة المال؟
— مرّت سنوات طويلة، والهدف إثبات مصدر المبلغ.
— هذا ما قالوه لنا في المرة الأولى. ثم هددونا
بالسجن.
قال عامل آخر:
— أبوك طلب منا الصمت.
— طلب الصمت قبل اعتقاله أم بعده؟
لم يجب أحد.
نهض نبهان، مستنداً إلى عكازه.
— أنا من طلب منه دفع الرواتب.
التفتت الوجوه إليه.
قال:
— وصلت الأموال، وأمر وجيه بتحويلها إلى شركة
المعدات. كان العمال بلا أجور منذ ثلاثة أشهر. جاءني قُدامة ليلاً وقال إنه سيسحب
حصة الرواتب قبل تنفيذ التحويل. ساعدته في تجهيز الكشوف، وبدأنا التوزيع على
البيوت حتى لا يمنعنا الحراس.
سألت جُمانة:
— لماذا وضعتم بقية المال في المخزن؟
— كان المخزن نقطة التوزيع. لم يكن مخبأً.
— والعقد باسمه؟
— استأجره قبل أشهر لحفظ سجلات الجمعية القديمة بعد
أن امتلأ الأرشيف. عرف وجيه مكانه، ولهذا أرسل الشرطة إليه.
قال طرخان:
— أخذنا المال، نعم. لكن عندما اعتُقل قُدامة، جاء
رجال وجيه. قالوا إن الرواتب مسروقة، وإن من يعترف سيصبح شريكاً. كان عندي خمسة
أطفال. خفت.
رفع عامل آخر يده:
— وأنا خفت.
ثم ثالث.
توالت الاعترافات، لا بصورة بطولية، بل مرتبكة
وخجلة. بعضهم بكى، وبعضهم برر، وبعضهم قال إنه أقنع نفسه بأن شهادته لن تغير
الحكم. وفي نهاية الاجتماع، وافق اثنان وثلاثون شخصاً على توقيع إفادات.
بقي طرخان واقفاً.
قال لجُمانة:
— أبوك لم يكن بريئاً كما تريدين.
— ماذا فعل؟
— كان يعرف أن وجيه يسرق منذ سنوات. سكت لأنه خاف
على وظيفته. لم يتحرك إلا عندما توقفت رواتبنا.
نظرت إلى نبهان، فخفض عينيه.
قالت:
— هل هذا صحيح؟
أجاب:
— كانت هناك فواتير مبالغ فيها قبل القرض. اعترض
قُدامة أحياناً، لكنه وقع أحياناً أخرى. كان يقول إن الجمعية ستُغلق إذا اصطدم
بوجيه، وإن بقاءها يحمي مئات العائلات.
شعرت جُمانة بوخزة خيبة لم تتوقعها.
كانت تبني في داخلها صورة أب وقع ضحية كاملة،
فإذا بالحقيقة تعيد إليه ضعفه البشري. لم يبدأ سارقاً، لكنه رأى المخالفات وصمت.
ساعد صمته على نموها حتى وصلت إلى سرقة لا يستطيع تجاهلها.
قال طرخان:
— حين تحرك، كان الوقت قد فات.
لم تدافع عنه.
— اكتبوا ذلك في إفاداتكم أيضاً.
نظر إليها باستغراب.
— ألا تريدين تبرئته؟
— أريد الحقيقة. إذا حذفتُ أخطاءه، سأفعل ما فعله
الذين حذفوا جريمة وجيه.
بعد الاجتماع، جلست وحدها في القاعة. كانت تتوقع
أن تشعر بالانتصار بعد حصولها على الشهادات، لكنها شعرت بالحزن. لم يكن أبوها
قديساً، ولم يكن شيطاناً. كان موظفاً خاف سنوات، ثم اختار المواجهة بطريقة خاطئة
ومتأخرة، ودفع وحده ثمن شبكة كاملة.
دخل نبهان ووضع أمامها ظرفاً.
— كان عليّ إعطاؤك هذا منذ البداية.
في داخله رسالة كتبها قُدامة بعد خروجه من السجن،
موجهة إلى العمال.
«لا أطلب منكم شهادة ترد لي سنواتي. أعرف أن الخوف
الذي أسكتكم هو نفسه الذي أسكتني قبل أن تصل السرقة إلى رواتبكم. وقعت أوراقاً لم
أقرأها، وقبلت تسويات لم أوافق عليها، وقلت لنفسي إن حماية الجمعية أهم من معركة
قد تغلقها. كل تنازل بدا صغيراً في يومه، لكن التنازلات اجتمعت وصنعت حفرة وقعنا
فيها جميعاً.
لم آخذ أموالكم لنفسي. سحبت الرواتب وبدأت
توزيعها لأنني عرفت أن التحويل الأخير سيترككم بلا شيء. أخطأت حين فعلت ذلك خارج
القانون، وأخطأت أكثر حين اعترفت بالسرقة كاملة لحمايتكم وحماية ابنتي. كنت أظن
أنني أستطيع إثبات الحقيقة بعد أن يزول الخطر، لكن الكذبة التي تُختم في المحكمة
تصبح أقوى من صاحبها.
لا تجعلوا خوفي عذراً لكم، ولا تجعلوا خوفكم لعنة
تلاحق أبناءكم».
سألت جُمانة:
— لماذا لم ينشرها؟
— جاءني بها قبل موته بأسبوع. طلب مني جمع العمال.
لم أفعل. قلت إنهم لن يحضروا، وإن وجيه أقوى منا. وبعد موته خجلت من إعطائها لأمك.
— احتفظت بها ثمانية عشر عاماً.
— نعم.
— كنت تستطيع تغيير شيء.
— أعرف.
لم تواسِه. أخذت الرسالة وغادرت.
في البيت، قرأتها جلنار مرتين. ثم دخلت غرفتها
وأحضرت صندوقاً آخر.
كان يحتوي رسائل قُدامة من السجن.
قالت:
— لم أعطك إياها لأن بعضها كان مليئاً بالغضب. خفت
أن تكبري وأنت تريدين الانتقام.
قرأت جُمانة الرسائل حتى الفجر. لم يكتب أبوها
تفاصيل الجريمة، فقد كانت مراسلات السجناء تُفحص، لكنه ملأ الهوامش بأرقام تبدو
كحسابات منزلية: أسعار طعام، أقساط مدرسة، مبالغ علاج.
لاحظت أن كل مجموعة تنتهي بفرق مقداره ألف دينار.
العلامة نفسها.
أعادت ترتيب الفروق حسب تواريخ الرسائل. شكلت
الأرقام أرقام أوامر التحويل الثلاثة التي وجدتها في المصرف. كان أبوها يحاول
تهريب دليل إلى الخارج داخل حسابات تبدو عائلية، لكن أحداً لم يفهمه.
قالت جلنار:
— كنت أظنه يحاول مساعدتي في تنظيم المصاريف.
— كان يرسل لك أرقام الحوالات.
— لم أكن محاسبة.
— لماذا لم تعطِها لمحامٍ؟
— أعطيتها لمحاميه. أعادها وقال إنها رسائل شخصية.
احتفظت جُمانة بالأصول، وصورتها بحضور اللجنة.
وصلت إفادة رئيس لجنة التدقيق القديم، مصدقة
رسمياً. أكد تسليم المستندات الأصلية إلى صفوان الراوي، وأن النسخ الموجودة في
المحكمة ليست التي فحصها أول مرة. كما وافق خبير الخطوط الجديد على الشهادة بأن
توقيعات أوامر التحويل مركبة على مستندات أخرى.
كان ملف إعادة المحاكمة يكتمل.
لكن وجيه لم ينتظر.
في صباح الجمعة، انتشرت على مواقع التواصل وثائق
تزعم أن جُمانة تلقت أموالاً من أحد المستثمرين المنافسين لتعطيل بيع أرض الجمعية.
ظهرت صور تحويل مصرفي يحمل اسمها، وتسجيل صوتي لامرأة تقول إنها ستسقط وجيه مهما
كان الثمن.
كان التسجيل مركباً من أجزاء مكالمات، والتحويل
مزوراً، لكن الخبر انتشر أسرع من النفي. اتصل رئيس قسمها وأبلغها بإيقافها مؤقتاً
إلى حين التحقيق.
وصل صحفيون إلى بيت أمها. وقف بعض الناس في
الشارع يصورون، وعاد الاسم القديم إلى الألسنة: ابنة اللص تسرق بطريقتها.
قالت جلنار:
— سنغادر البلدة الليلة.
كانت جُمانة تجمع المستندات في حقيبة.
— إذا غادرنا الآن، سيقولون إنني هربت.
— قلتِ إنك لا تهتمين بما يقولون.
— لا أهتم بالإهانة، لكن هروبي قد يدفن القضية.
— والقضية قد تدفنك.
توقفت جُمانة.
كانت أمها تقف بالطريقة نفسها التي ربما وقفت بها
قبل ثمانية عشر عاماً، عندما اختفت طفلتها وعاد زوجها محاصراً. بالنسبة إليها،
التاريخ لا يعيد نفسه كفكرة؛ يعيده كخطر على ابنتها.
اقتربت منها.
— لن أخرج وحدي، ولن أخفي شيئاً، ولن أوقع اعترافاً
لحماية أحد. هذه المرة كل نسخة عند أكثر من جهة.
— أنت لا تعرفينهم.
— وأنتِ لا تعرفين كم تغير العالم. لم تعد الورقة
الوحيدة في خزانة يستطيعون سرقتها.
نشرت جُمانة بياناً قصيراً أرفقت به رقم الشكوى
التي قدمتها ضد التزوير، وكشوف حسابها الحقيقية بعد حجب بياناتها الحساسة،
وتقريراً من المصرف ينفي التحويل. لم تدخل في سجال، ولم تهاجم وجيه بالاسم. اكتفت
بطلب تحقيق علني.
ثم أرسلت جميع الأدلة إلى هيئة النزاهة والادعاء
العام ودائرتها وثلاثة صحفيين موثوقين.
وصل محققون من الهيئة بعد يومين. استمعوا إلى
شهادتها، وصادروا أجهزة من مكتب وجيه وشركته. حاول الرجل مغادرة البلاد بحجة
العلاج، لكن صدر أمر بمنعه من السفر.
خلال تفتيش منزل صفوان الراوي، الذي توفي قبل
عام، عثروا على خزانة أوراق لم تفتحها أسرته. احتوت عقود شركة حقول المشرق، ونسخاً
أصلية من أوامر التحويل.
كانت توقيعات أبيها غير موجودة عليها.
بدلاً منها، ظهر توقيع صفوان بصفته ممثلاً مفوضاً
من الجمعية، مع كتاب تفويض مزور يحمل ختم قُدامة.
والأهم أن الخزانة احتوت مذكرة داخلية كتبها وجيه
إلى أخيه:
«بعد إغلاق موضوع الرواتب، يُضاف مبلغها إلى
مسؤولية المحاسب كي تبقى القضية في شخص واحد».
لم يكن ذلك مجرد دليل على السرقة، بل دليل على
صنع الاتهام.
أُعيد فتح القضية رسمياً.
تزامن ذلك مع بدء التحقيق في ثروة وجيه وعقود
أخرى حصلت عليها شركات عائلته. اكتشفت الهيئة أن الأموال المسروقة من الجمعية
استخدمت لشراء أرض تجارية ارتفعت قيمتها لاحقاً عشرات المرات. ومن تلك الأرض بدأت
الثروة التي بنى بها الرجل مدرسته ومركزه الصحي ومشاريعه الخيرية.
حين اقتادته الشرطة من منزله، تجمع مؤيدوه أمام
البوابة. قال بعضهم إن الرجل خدم البلدة أكثر من الحكومة، وإن الماضي يجب ألا يهدم
الأعمال التي استفاد منها الناس.
وكان هذا أصعب الأسئلة.
هل تصبح المدرسة أقل فائدة لأنها بُنيت من مال
مسروق؟ هل يُغلق المركز الصحي لأنه يحمل اسم رجل متهم؟ وهل يمكن للمجتمع أن يقبل
الخير الناتج عن ظلم قديم ثم يرفض الحديث عن مصدره؟
لم تطلب جُمانة هدم شيء. طالبت بنقل ملكية
المنشآت التي ثبت تمويلها من أموال الجمعية إلى جهة عامة، وإزالة اسم وجيه عنها.
قالت أمام اللجنة:
— لا نصلح السرقة بهدم ما يحتاج إليه الناس، لكننا
لا نخلد السارق فوق الجدران التي بناها بأموالهم.
بدأت المحاكمة بعد أشهر.
دخلت جُمانة القاعة التي حُكم فيها على أبيها.
تغير الطلاء والمقاعد، لكن النافذة العالية بقيت كما تتذكرها من يوم تسللت مع
خالتها إلى الممر ورأته واقفاً بعيداً بين الحراس.
جلست جلنار إلى جانبها. خلفهما جلس العمال
القدامى وأبناء من ماتوا.
دخل وجيه متكئاً على عصاه. لم ينظر إليهم.
قدم الادعاء العام الحوالات، والأوامر الأصلية،
وتقارير التزوير، وإفادات العمال، ورسائل قُدامة. حاول محامي وجيه إسقاط الأدلة
بحجة مرور الزمن، وقال إن قُدامة اعترف طوعاً وإن المتهم لا يتحمل اختيارات رجل
آخر.
عندما جاءت شهادة جُمانة، سألها المحامي:
— أليس صحيحاً أن والدك سحب ستة وأربعين مليون
دينار من دون أمر قانوني؟
— صحيح.
— ووزع جزءاً منها خارج قنوات الجمعية؟
— صحيح.
— ووقّع سابقاً معاملات لم يقرأها؟
— بحسب الشهادات والرسائل، نعم.
ابتسم المحامي كأنه حصل على ما يريد.
— إذن لم يكن بريئاً.
قالت جُمانة:
— لم نطلب من المحكمة إعلان أنه لم يخطئ. نطلب
تصحيح الجريمة التي نُسبت إليه. مخالفة دفع الرواتب خارج النظام ليست سرقة أربعمئة
وستين مليوناً، والإهمال في التوقيع لا يجعل صاحب التوقيع مسؤولاً عن مستند صُنع
بعد ذلك.
— أنت ابنته، ومن مصلحتك تبرئته.
— ومن مصلحتي أيضاً ألا أكذب بشأنه. لهذا ذكرت
أخطاءه قبل أن تسأل.
ساد الصمت في القاعة.
كان دفاعها عن أبيها أقوى لأنها لم تحاول تحويله
إلى شخصية بلا عيوب.
استمرت الجلسات أشهراً. توفي أحد الشهود قبل
الإدلاء بشهادته، وتراجع عاملان خوفاً، لكن الأدلة المكتوبة بقيت. وفي النهاية،
أصدرت المحكمة قرارها.
ألغت الحكم السابق المتعلق باختلاس أربعمئة وستين
مليون دينار، وثبتت أن قُدامة لم يستفد شخصياً من الأموال، وأن اعترافه انتُزع تحت
التهديد واستُخدم لحماية المتهمين الحقيقيين. وفي الوقت نفسه، أثبت القرار ارتكابه
مخالفة مالية بتجاوز إجراءات الصرف وتوزيع الرواتب من دون تفويض، لكنها اعتُبرت
منفصلة عن جريمة الاختلاس، ومنقضية بوفاته ومرور الزمن.
أدين وجيه وسنان وعدد من الموظفين المتعاونين
معهم بالاستيلاء على المال العام والتزوير وعرقلة العدالة. كما فُتح تحقيق منفصل
في واقعة خطف جُمانة، لكن الأدلة بعد ثمانية عشر عاماً لم تكن كافية لتحديد
المنفذين. أثبتت سجلات الاتصالات صلة أحد رجال وجيه بالمدرسة في ذلك اليوم، إلا أن
الرجل كان قد توفي.
لم تحصل جُمانة على عدالة كاملة.
لم يُعد القضاء إلى أبيها سنوات السجن، ولم يسمع
هو قرار البراءة، ولم تعد الأسرة إلى البيت الذي بيع لتغطية الغرامات. بعض الأضرار
لا يصلحها الحكم؛ يكتفي بتسميتها بعد أن عاشها الناس بلا اسم.
بعد انتهاء الجلسة، وقف الصحفيون عند الباب.
سألها أحدهم:
— هل تشعرين أن والدك بُرئ أخيراً؟
قالت:
— بُرئ من السرقة، لا من الخوف ولا من التأخر.
الحقيقة لا تحتاج أن نجعله مثالياً. يكفي أن نعيد إليه الخطأ الذي ارتكبه، ونرفع
عنه الجريمة التي لم يرتكبها.
نُشر جوابها على نطاق واسع.
انزعج بعض العمال، إذ أرادوا بطلاً خالصاً يواجه
الفساد منذ البداية. وانزعج آخرون لأن كلامها ذكّرهم بصمتهم. لكنها لم تغيره.
عادت إجراءات تصفية الجمعية، لكن الأرض لم تُبع
لوجيه. وبعد استرداد جزء من الأموال والأصول، اقترحت اللجنة تحويل المخازن إلى
مركز تعاوني جديد يملكه المزارعون والعاملون بنظام أسهم صغيرة، مع تخصيص جزء منه
لتدريب الشباب على الإدارة الزراعية والمحاسبة.
عارضت جُمانة الفكرة أولاً. كانت تخشى أن يعاد
بناء المؤسسة بالأشخاص والعادات نفسها، وأن يُستخدم اسم أبيها لتزيين مشروع لا
يختلف عن السابق. اشترطت نظاماً شفافاً، ونشر الحسابات، ومنع توقيع الأوراق
الفارغة، وتدوير المسؤوليات.
قال نبهان ضاحكاً:
— ستجعليننا نقرأ كل ورقة حتى لو كانت طلب شراء
أقلام.
أجابته:
— كان يمكن لقراءة ورقة واحدة أن توفر علينا ثمانية
عشر عاماً.
جُمعت أموال من العمال والمزارعين، وساهمت
المحافظة بعد نقل ملكية أحد مشاريع وجيه إليها. احتاج المركز إلى عامين كي يفتح
أبوابه. لم يعد جمعية ضخمة، بل منشأة أصغر تضم مخزناً للحبوب، وورشة صيانة، وقاعة
تدريب.
اقترح أعضاء المجلس إطلاق اسم قُدامة راضي على
القاعة.
رفضت جُمانة.
قال طرخان:
— هذا أقل ما يستحقه.
— إذا وضعنا اسمه وحده، سنكرر الطريقة نفسها التي
جعلت وجيه يبدو كأنه بنى كل شيء وحده. الجمعية كانت عمالاً ومزارعين، والذين دفعوا
الثمن كثيرون.
اختاروا اسم «قاعة الحساب المفتوح».
وعلى جدارها وضعوا اللوحة النحاسية القديمة بعد
تنظيفها، لا بوصفها لوحة تكريم، بل وثيقة من تاريخ المؤسسة. إلى جوارها عُلقت
رسالة قُدامة كاملة، وإفادات العمال، ونسخة من قرار المحكمة.
أما الآلة الحاسبة، فاحتفظت بها جُمانة.
في الذكرى الثالثة لافتتاح المركز، دعيت لإلقاء
محاضرة عن النزاهة المالية. جلست أمها في الصف الأول، وإلى جوارها أبناء عمال لم
يعرفوا قصة الجمعية إلا من آبائهم.
وضعت جُمانة الآلة فوق المنصة.
قالت:
— عندما كنت صغيرة، علمني أبي أن الرقم الموضوع في
المكان الخطأ لا يختفي، بل يغير معنى الحساب كله. استغرق الأمر مني سنوات لأفهم أن
الكلام ينطبق على الناس أيضاً. حين نضع جريمة شخص فوق اسم بريء، لا نظلم ذلك الشخص
وحده؛ نعيد ترتيب ذاكرة مجتمع كامل حول كذبة.
ثم رفعت سجل الرواتب القديم.
— في هذا السجل أضاف أبي ألف دينار لا تخص أحداً.
كانت طريقته في القول إن الأجور لم تُدفع، وإن الكشف كاذب. لم يستطع الكلام علناً،
فترك الخطأ داخل الحساب. لكنه لم يكن يعرف أن الإشارة ستحتاج إلى ثمانية عشر عاماً
حتى يقرأها أحد.
بعد المحاضرة، اقتربت منها فتاة في العشرين تدرس
المحاسبة. قالت إن جدها كان من العمال الذين استلموا الرواتب وصمتوا.
— كان يرفض الحديث عن القضية، قالت. قبل موته أخبر
أمي أنه خذل والدك.
أجابتها جُمانة:
— كثيرون خذلوه، وهو خذل نفسه حين صمت قبلهم. المهم
ألا نرث الصمت كما نرث الأسماء.
عادت إلى بيت أمها مساءً. وجدت جلنار قد أخرجت
صندوقاً صغيراً من الخزانة.
— بقي شيء لم أعطك إياه، قالت.
ابتسمت جُمانة بتعب.
— كم صندوقاً أخفيتِ عني؟
— هذا الأخير.
في داخله كان دفتر مدرسي يعود إلى طفولتها.
فتحته، فوجدت مسائل حساب كتبها أبوها لها، ورسومات بيوت وأشجار. في الصفحة الأخيرة
مسألة لم تحلها:
«لدى مزارع مئة كيس من القمح. أخذ شريكه عشرين،
وضاع في الطريق عشرة، ووصل إلى المخزن ستون. كم كيساً ينقص الحساب؟»
كتبت طفلة بقلم أحمر: «عشرة أكياس».
وتحت الإجابة كتب قُدامة: «صحيح. لا تسألي أين
ذهبت المئة كلها؛ ابحثي أولاً عما لا يملك تفسيراً».
قالت جلنار:
— كتبها لك قبل القضية بأشهر.
مررت جُمانة يدها فوق الورقة.
لم تكن المسألة نبوءة ولا شفرة. كان أبوها
يعلّمها طريقته في التفكير قبل أن يعرف أنها ستحتاج إليها لإنقاذ اسمه.
سألت أمها:
— لماذا الآن؟
— لأنني لم أعد أخاف أن تحولي كل شيء تركه إلى
دليل. بعض الأشياء تستطيع أن تبقى ذكرى.
أغلقت جُمانة الدفتر.
كان ذلك صحيحاً. أمضت سنوات تقرأ أثر أبيها كما
لو أنه ملف لم يكتمل. تبحث في كل كلمة عن رقم، وفي كل رقم عن متهم. لكن الرجل الذي
مات لم يكن قضية فقط. كان أباً أصلح ساعة بطريقة سيئة، واشترى لابنته دفاتر، وأخطأ
في عمله، وخاف، ثم حاول متأخراً إصلاح ما سمح له بالنمو.
في صباح اليوم التالي، ذهبت مع أمها إلى المقبرة.
حملت نسخة من قرار المحكمة، لكنها لم تضعها فوق
القبر. جلست قربه وقرأت الفقرة التي تلغي إدانته. لم تتوقع جواباً، ولم تشعر بأن
الريح تغيرت أو أن حملاً غامضاً ارتفع عن صدرها. بقي القبر حجراً، وبقي أبوها
غائباً.
قالت جلنار:
— كان سيفرح.
أجابت جُمانة:
— وكان سيغضب لأنني ذكرت أخطاءه أمام الناس.
ابتسمت أمها.
— نعم. كان يحتاج إلى يومين كي يعترف بأنك محقة.
ضحكتا للمرة الأولى قرب قبره.
أخرجت جُمانة من حقيبتها ورقة صغيرة. كانت نسخة
من أول جدول أعدته في الجمعية، وفيه الفرق البالغ ألف دينار. طوتها ووضعتها تحت
حجر قريب، لا كوثيقة يحتاج إليها الميت، بل إشارة إلى البداية التي قادتها إلى
النهاية.
بعد أسابيع، أُقيم مزاد لبيع الآلات التالفة
وحدها. حضرت جُمانة بصفتها مراقبة. بيعت الهياكل والخردة، لكنهم احتفظوا بمكتب
الحسابات القديم لاستخدامه في المركز الجديد.
عند نقل المكتب، عثر العمال تحت إحدى قوائمه على
قطعة معدنية صغيرة تسنده كي لا يهتز.
كانت قطعة نقدية من فئة ألف دينار.
ضحك العامل وقال:
— حتى الأثاث عندكم حسابه ناقص.
أخذتها جُمانة وتأملتها. ربما وضعها أبوها، وربما
عامل آخر، وربما جاءت مصادفة لا معنى لها. لم تعد بحاجة إلى تحويل كل مصادفة إلى
رسالة.
أعادت القطعة تحت القائمة القصيرة، فاستقام
المكتب.
جلست خلفه وفتحت أول سجل للمركز التعاوني الجديد.
كان يحتوي أسماء المزارعين وحصصهم الصغيرة. راجعت المجموع، فوجدته مطابقاً.
دخل طرخان يحمل فاتورة شراء.
— نحتاج توقيعك بصفتك مراقبة.
قرأت الفاتورة كاملة.
قال مازحاً:
— إنها فاتورة أقلام فقط.
— أعرف.
— ألا تثقين بنا؟
رفعت عينيها.
— الثقة لا تعني أن نغلق أعيننا. حين نقرأ الورقة،
نحمي من كتبها ومن وقعها معاً.
انتظر حتى انتهت، ثم وقع أمامها.
في الخارج كان شباب المركز يثبتون لوحة جديدة عند
البوابة. لم تحمل اسم رجل أو عائلة، بل عبارة واحدة: «تعاونية السواقي».
وقفت جلنار بعيداً تراقبهم. وعلى الجدار الداخلي
بقيت اللوحة القديمة بأسمائها المغطاة بآثار الزمن، ومن بينها اسم قُدامة راضي.
لم يعد آخر اسم لرجل متهم.
ولم يصبح اسم قديس.
عاد فقط إلى حجمه الحقيقي: موظف عاش بين الناس،
أخطأ حين صمت، وشجعته محبته المتأخرة على فعل لم يحسن حمايته، فتحمل جريمة غيره كي
ينقذ ابنته وعمالاً خافوا مثله.
قبل إغلاق المكتب في ذلك المساء، جمعت جُمانة
حساب اليوم. تطابقت المبيعات والمصروفات، ولم يبقَ فرق ولو بمقدار دينار واحد.
أطفأت الحاسوب، ثم حاولت النهوض. اهتز المكتب
قليلاً لأن القطعة النقدية انزلقت من تحته.
انحنت وأعادتها إلى مكانها.
استقام المكتب، لكن الرقم ظهر على حافة القطعة
واضحاً تحت الضوء: ألف.
ابتسمت جُمانة، وأغلقت السجل.
لقد اكتمل الحساب أخيراً.

تعليقات
إرسال تعليق